اللوحة: الفنان الفرنسي سيريل رولاندو
ترجمة: آصال أبسال
«زَهْرَةُ ٱلْيَاقُوتِ»
هَلْ تِلْكَ وِقْفَةٌ تَلِيقُ بِزَهْرَةٍ، إِذْ تَشْرَئِبُّ
مِثْلَ هِرَاوَةٍ نَحْوَ ٱلْمَمْشَى؛ أَيُّهَا ٱلْفَتَى ٱلْبَائِسُ ٱلْذَّبِيحُ
هَلْ هٰكَذَا تُبْدِي ٱلْشُّكْرَانَ لِلْآلِهَةِ؟ بَيْضَاءَ
مُلَوَّنَاتِ ٱلْقُلُوبِ، تَمِيدُ مِنْ حَوْلِكَ ٱلْأَزَاهِيرُ ٱلْفَارِعَةُ،
تَمِيدُ، وَٱلْفِتْيَةُ ٱلْآخَرُونَ كُلًّا يَتَفتَّحُونَ
فِي فَضَاءِ ٱلْرَّبِيعِ ٱلْبَارِدِ، مِثْلَمَا تَتَفَتَّحُ بَرَاعِيمُ ٱلْبَنَفْسَج
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَزْهَارٌ فِي سَالِفِ ٱلْزَّمَانِ
سِوَى أَجْسَادِ فِتْيَةٍ، مُسَرْبَلَةٍ بِٱلْشُّحُوبِ، مُكْتَمِلَةٍ فِي ٱلْخَيَالِ،
هٰكَذَا ٱلْآلِهَةُ قَدْ حَلَّتْ فِي هَيْئَاتٍ إِنْسِيَّةٍ تَجِيشُ حَنِينًا،
وَفِي فِنَاءِ ٱلْحَقْلِ، فِي أَيْكَةِ ٱلْصَّفْصَافِ،
كَانَ أبوللو قَدْ أَنْأَى رُسَلَاءَهُ تَتْرَى
وَمِنْ نَزِيفِ ٱلْجُرْحِ، مِنْهُ
قَدْ طَفَرَتْ زَهْرَةٌ كَمِثْلِ ٱلْزَّنَابِقِ، لَا بَلْ أَشَدُّ زَهْوًا
مِنْ أُرْجُوَانَاتِ «صُورَ»
وَكَانَ ٱلْإِلٰهُ يَبْكِي، فَفَاضَتِ ٱلْأَرْضُ،
فَاضَتْ بِدَمْعِهِ ٱلْشَّجِيِّ
اَلْجَمَالُ زَائِلٌ: ذَاكَ هُوَ أَصْلُ ٱلْخَلِيقَةِ
وَمِنْ وَرَاءِ طَّوْقِ ٱلْشَّجَرَاتِ ذَاكَ،
كَانَ فِي وُسْعِ ٱلْرُّسَلَاءِ أَنْ يُرْهِفُوا أَسْمَاعَهُمْ
إِلَى سَجْعِ ٱلْيَمَامِ حِينَ يَبُثُّ
إِيقَاعَهُ ٱلْحَرِيَّ، لَأْوَاءَهُ ٱلْفِطْرِيَّ –
إِذْ أَطْرَقُوا يُنْصِتُونَ إِلَيْهِ، وَسْطَ حَفِيفِ ٱلْصَّفَاصِفِ،
هَلْ كَانَتْ تِيكَ إِذَنْ مَرْثِيَّةَ ٱلْإِلٰهِ؟
أَطْرَقُوا يُنْصِتُونَ أَكْثّرَ أَكْثَرَ، وَحَتَّى حِينٍ
بَاتَ رَجْعُ ٱلْصَّوْتِ مَحْزُونًا نَأْمَةً نَأْمَةً
لَيْسَ ثَمَّ خُلُودٌ آخَرُ دُونَ هٰذَا:
فِي ٱلْرَّبِيعِ ٱلْبَارِدِ فِيهِ، يَتَفَتَّحُ ٱلْبَنَفْسَجُ سِيمَاءً أُرْجُوَانِيًّا،
بَيْدَ أَنَّ ٱلْقَلْبَ مُسْحَمٌّ بِٱلْسَّوَادِ، مَعَ ذٰلِكَ،
هَا هُوَ ٱلْآنَ وَقَدْ أَمَاطَ ٱلْلِّثَامَ عَنْ جِمَاحِهِ جَلِيًّا،
أَوَلَيْسَ هٰذَا ٱلْقَلْبُ وَاسِطَةَ ٱلْعِقْدِ هٰهُنَا
بَلْ إِنَّهُ بِذَاكَ مُفْرَدَةٌ أُخْرَى؟
وَهَا هُوَ ٱلْآنَ كَذَاكَ مَنْ يَنْحَنِي لَهُمْ بِيَدَيْهْ،
يَنْحَنِي كَيْ يَجْمَعَ شَمْلَهُمْ قُدَّامَ نَاظِرَيْهْ –
أُولٰئِكَ ٱلْرُّسَلَاءُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُمُ ٱلْاِنْتِظَارُ
هُنَاكَ فِي ٱلْمَنْفَى إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ،
فَفِي تِلْكَ ٱلْأَيْكَةِ ٱلْمُونِقِ بِٱئْتِلَاقِهَا –
كَانُوا يُنَادُونَ هَامِّينَ بِٱلْاِسْمِ صَاحِبَهُمْ،
عَلَى وَقْعِ ٱلْهَدِيرِ مِنَ ٱلْأَطْيَارِ،
آنَئِذٍ، وَأَعْلَى
وَعَلَى وَقْعِ ٱلْأَنِينِ مِنَ ٱلْصَّفْصَافِ بِلَا هَدَفٍ،
إِذَنْ، وَأَشْجَى
وَحَتَّى ٱلْهَزِيعِ ٱلْأخِيرِ حَتَّاهُ كَانُوا قَدْ أَجْهَشُوا بِٱلْبُكَاءِ،
غَيْرَ أَنَّ صَفَاءَ دُمُوعِهِمْ حِينَمَا سَحَّتْ بِٱحْتِزَانْ،
لَمْ يُغَيِّرْ أَيًّا مِنْ أَلْوَانِ ٱلْأرْضِ، أيًّا كَانْ!
❖
Hyacinth
Is that an attitude for a flower, to stand
like a club at the walk; poor slain boy,
is that a way to show
gratitude to the gods? White
with colored hearts, the tall flowers
sway around you, all the other boys,
in the cold spring, as the violets open.
There were no flowers in antiquity
but boys’ bodies, pale, perfectly imagined.
So the gods sank to human shape with longing.
In the field, in the willow grove,
Apollo sent the courtiers away.
And from the blood of the wound
a flower sprang, lilylike, more brilliant
than the purples of Tyre.
Then the god wept: his vital grief
flooded the earth.
Beauty dies: that is the source
of creation. Outside the ring of trees
the courtiers could hear
the dove’s call transmit
its uniform, its inborn sorrow—
They stood listening, among the rustling willows.
Was this the god’s lament?
They listened carefully. And for a short time
all sound was sad.
There is no other immortality:
in the cold spring, the purple violets open.
And yet, the heart is black,
there is its violence frankly exposed.
Or is it not the heart at the center
but some other word?
And now someone is bending over them,
meaning to gather them—
They could not wait
in exile forever.
Through the glittering grove
the courtiers ran
calling the name
of their companion
over the birds’ noise,
over the willows’ aimless sadness.
Well into the night they wept,
their clear tears
altering no earthly color.
اَلْمِقْرَاب – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك
لويز إليزابيث غلوك (1943-2023) شاعرة وكاتبة مقال أمريكية لامعة، من أصل مجري، تتميَّز بالأسلوب الشعري المتفرِّد الذي يمكن له أن ينضوي تحت راية ما يُسمّى بـ«اليسير الامتناعي» تارةً أو حتى بـ«الصَّمُوت البلاغي» تارةً أُخرى. ولهذا السبب، من بين أسباب موضوعية شتّى، فقد نالت لويز غلوك جائزة نوبل للأدب عام 2020 – أي قبل رحيلها عن هذه الدنيا بثلاثة أعوام وحسب – هذا فضلًا عن نيلها عددًا من الجوائز الأدبية المحلية والوطنية كذلك. وثمّة سمةٌ ثانية أو ثالثة تطغى على أسلوبها الشعريِّ أيضًا، سمةُ ما يمكن أن يُدعى بـ«السِّيَرِيِّ التأمُّليِّ» مُستلهَمًا بذاك من الطبيعة والأسطورة والتجربة (الذاتية) بالطبع، وذلك من أجل مخاطبةِ موضوعاتٍ يطغى عليها الطابع النفسي و/أو الجسمي، من مثل: الذاكرة والرَّغبة والصَّدمة والفقدان والشيخوخة، إلى آخره، بلغةٍ وجوديةٍ مَحْضٍ تنأى عن كلٍّ من الزُّخْرُفِ الكلاميِّ والتنميقِ الخطابيِّ.
وفي مرحلةِ يفاعتِها، إضافةً إلى ذلك، فقد أُصيبت لويز غلوك بِعِلَّةِ فقدانِ شهوةِ الطعامِ التي تأزَّمتْ آنًا بعد آنٍ إلى نوباتٍ حادَّةٍ من داءِ «القُهَام العَصَبِيِّ» Anorexia Nervosa، ممَّا أثَّر تأثيرًا كبيرًا على مسارها التعليمي الثانوي والجامعي، إذ لجأت إلى الخضوع لسنواتٍ مديدةٍ من العلاج النفسيِّ المكثَّف، ناظرةً إليه بمثابةِ مُنْقِذٍ روحانيٍّ لحياتها وكذاك مُعينٍ وجدانيٍّ لها في تخطِّي محنتِها الجسميةِ والنفسية. وعلى الرغم من ذلك كلِّه، فإن لويز غلوك كانت قد دَرَسَتِ الأدبَ الشعريَّ بحافزٍ فرديٍّ في جامعة كولومبيا، وكانت قد دَرَّسَتْهُ من ثَمَّ باستجابةٍ إبداعيةٍ في كلٍّ من جامعتَي ييل وهارڤارد كأستاذةٍ بديلٍ للشاعر الإيرلنديِّ الكبير شيموس هيني (1939-2013).
ولا يسعُني ها هنا، في الأخير، سوى أن أشكرَ أستاذي الدكتور غياث المرزوق جزيلَ الشكر على ما أسداهُ من نُصْح وتوجيهٍ نَيِّرَيْنِ قيِّمَيْنِ بكُلِّ رَحَابَةِ صَدْرٍ حَقًّا، مع أنه ليس مترجمًا بالمعنى الرسميِّ أو الاحترافيِّ للكلمة.


بالفعل ترجمة شعرية متألقة صاعدة نحو القمّة نصّا بعد نصّ ..
كما ذكرت في النص السابق .. وكأن الشاعرة الأمريكية لويز غلوك تنطق الشعر باللغة العربية ..
بهكذا ترجمة شعرية متمكّنة حقا .. مستوى المجلة يغدو مصافّ الأوائل ولا شك ..
تحية شكر وتقدير وإجلال للأخت الدكتورة آصال أبسال