ليلة سلمى

ليلة سلمى

اللوحة: الفنانة الصربية سارة ميلويفيتش

استيقظت سلمى في الثالثة فجرًا على ألمٍ لم تعرفه من قبل. لم يكن حادًّا كالسكين، بل كان واسعًا كموجة تبدأ من أسفل ظهرها وتشدّ بطنها كله كأن يدًا خفية تعصر الدنيا في قبضتها. ظلّت تحدّق في السقف المظلم، تعدّ أنفاسها كما علّمتها الممرضة في الدورة، ثم انحسرت الموجة وتركتها تلهث.

قالت لنفسها: «ربما تقلّصات كاذبة». لكنها كذبت على نفسها، وعرفت ذلك. فقبل ثلاثة أيام قالت أمها الراحلة في منامها، بصوتها الذي لم تنسه: «يا بنتي، حين يجيء لن يستأذنك».

مدّت يدها إلى الجهة الأخرى من السرير فوجدتها باردة. كان كريم في رحلة عمل في مدينة بعيدة، وقد وعدها أن يعود قبل الموعد بأسبوع. بقي على الموعد عشرة أيام، وعلى الأسبوع الذي وعد به ثلاثة. 

جاءت الموجة الثانية بعد اثنتي عشرة دقيقة. نظرت إلى ساعة الهاتف وهي تعضّ على شفتها. ثم الثالثة بعد تسع. جلست على حافة السرير وأمسكت الهاتف بيد مرتجفة، واتصلت بكريم.

رنّ الهاتف طويلًا حتى جاء صوته مخنوقًا بالنعاس: «سلمى؟ ما بك؟».

«أظنّه جاء يا كريم».

صمت لحظة ثم سمعت صوت ارتطام وحركة سريعة. «أنا في الطريق. لا، أنا بعيد، ستة ساعات.. اسمعيني، اتصلي بسعاد، جارتنا. وسيارة الإسعاف. الآن».

«لا تقلق»، قالت، وكانت تعلم أن صوتها يخونها. «سأكون بخير».

أغلقت الخط وبكت بكاءً قصيرًا، لا من الألم بل من الوحدة التي تسللت إليها فجأة كالبرد. ثم مسحت وجهها بظهر يدها. قالت بصوت مسموع في الغرفة الفارغة: «لن أفعل هذا. لن أنهار». 

طرقت الباب بيدٍ واهنة على باب سعاد، فتح بعد دقيقتين. وقفت الجارة العجوز بشعرها الأبيض المنسدل وعينين اتسعتا حين رأت سلمى منحنية تتشبث بإطار الباب.

«يا لطيف! يا بنتي!» ولم تسأل شيئًا آخر. أمسكت بذراعها وأدخلتها، وهي تنادي ابنها من الداخل: «يوسف! أخرج السيارة!».

في الخارج كانت السماء تُمطر بغزارة لم تشهدها المدينة منذ سنوات. وكانت الشوارع تلمع كالمرايا السوداء. جلست سلمى في المقعد الخلفي، وسعاد إلى جانبها تمسك يدها بقوة تفوق ما يُظنّ في عجوز في السبعين.

«تنفّسي. شهيق من الأنف.. وزفير من الفم.. هكذا، هكذا».

«أنتِ تعرفين هذا؟» سألت سلمى بين موجتين.

ضحكت سعاد: «ولدتُ خمسة يا ابنتي. وأحدهم في سيارة أجرة».

ضحكت سلمى معها، وهذا أغرب ما حدث تلك الليلة: أن تضحك امرأة وهي على حافة الألم الأكبر. 

في منتصف الطريق انقطع الطريق. شاحنة انقلبت على الجسر، وصفّ من الأضواء الحمراء يمتدّ بلا نهاية. قال يوسف وهو يضرب المقود بكفّه: «سأسلك الطريق الترابي خلف المصنع».

اهتزّت السيارة على الحفر، وكل اهتزازة كانت تُترجَم في جسد سلمى إلى صرخة مكتومة. صارت الموجات متلاحقة، لا تكاد تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى. وغابت الدنيا من حولها إلى نقطة واحدة: جسدها، وما يحدث فيه.

«سعاد.. أنا خائفة».

اقتربت العجوز من أذنها وهمست كما تهمس الأمهات: «الخوف لا يعني أنك ضعيفة. الخوف يعني أنك تحبين شيئًا كثيرًا».

أغمضت سلمى عينيها، فرأت وجه أمها. لم تكن أمها تبتسم كعادتها، بل كانت تنظر إليها بنظرة هادئة عميقة، نظرة امرأة مرّت من هذا الباب نفسه قبلها. ولأول مرة منذ وفاة أمها قبل ثلاث سنوات، لم تشعر سلمى بالفقد، بل شعرت بالاتصال. كأن سلسلة طويلة من النساء، جدّات وجدّات جدّات، تمدّ أيديها إليها في الظلام. 

وصلوا إلى المستشفى في الرابعة والنصف. ركض يوسف إلى الداخل وعاد بكرسي متحرك وممرضة بعينين متعبتين وخطوات واثقة.

«كم المسافة بين الطلقات؟».

«ثلاث دقائق!» قالت سعاد قبل أن تجيب سلمى.

تبادلت الممرضة نظرة سريعة مع زميلتها، ثم دُفع الكرسي بسرعة عبر ممرّ طويل مضاء بأنوار بيضاء قاسية. كانت سلمى ترى السقف يمرّ فوقها بلوحاته المربعة، لوحة بعد لوحة، كأنها تعبر نفقًا إلى مكان آخر.

في غرفة الولادة خلعوا عنها ثيابها المبتلّة وألبسوها ثوبًا أزرق رقيقًا. وضعوا حزامًا على بطنها يلتقط دقات قلب الجنين، فملأ الغرفة صوت سريع منتظم، كحوافر حصان صغير يعدو في سهل بعيد. أمسكت سلمى بالسرير وأصغت. هذا قلبه. هذا الذي تحدثت معه شهورًا في الظلام، وها هو يردّ. 

جاءت الطبيبة، شابة نحيلة تربط شعرها بعصبية. فحصتها وقالت بهدوء: «أنتِ في ثمانية سنتيمترات. أسرع مما توقعت. ستلدين قريبًا».

«زوجي..» بدأت سلمى.

«هل هو في الطريق؟».

«ستّ ساعات. ربما أقل».

نظرت إليها الطبيبة نظرة تفهّم لا شفقة: «لا بأس. الأمر يحدث بالسرعة التي يحدث بها. سنكون معك».

اشتدّت الموجات حتى صارت جبالًا. حاولت سلمى أن تتنفس كما تعلّمت، لكن التنفس انكسر في حلقها. وفي لحظة، خانتها كل الدروس. لم تعد تتذكر شيئًا مما قرأت. لم يبقَ إلا جسد يعمل بحكمة أقدم من الكتب، حكمة لم يعلّمها أحد، وُلدت معها.

رنّ هاتفها على الطاولة. أمسكته الممرضة ووضعته على مكبّر الصوت قرب أذنها. جاء صوت كريم، مشروخًا من الريح والمحرك: «سلمى! أنا هنا، أنا أسمعك! أنا قادم، قادم، اسمعيني..».

لم تستطع أن تجيب. أطلقت أنينًا طويلًا، فسمعه هو وبكى. «أنا أحبك»، قال، «أنا أحبك، تمسّكي، أنا قادم». 

«الآن يا سلمى. حين تأتي الموجة القادمة، ادفعي».

أحسّت أنها على قمة جبل لا تعرف كيف صعدته. كل شيء في الغرفة صار بعيدًا: أصوات الأجهزة، همس الممرضات، حتى ألمها نفسه صار شيئًا تراقبه من الخارج. لم يبقَ إلا نداء واحد من أعماقها: أن تدفع، أن تفتح الباب، أن تدع الحياة تمرّ.

جاءت الموجة. دفعت.

«جيد! مرة أخرى!».

دفعت، وصرخت، وانفجر في رأسها لون أحمر وأبيض. كانت تظن أنها لا تملك قوة أخرى، ثم وجدتها. من أين؟ ربما من أمها. ربما من سعاد التي كانت تهمس في الممر خارج الغرفة بدعاء قديم. ربما من كريم الذي لا يزال يركض إليها في ظلمة الطرق.

«أرى الرأس! رأسه كثيف الشعر! مرة أخيرة، سلمى. مرة واحدة».

جمعت كل ما فيها، كل خوفها وحبها وتعبها ووحدتها وأملها، وألقت بها كلها في دفعة واحدة طويلة. 

ثم سكن كل شيء.

سكون قصير، ثقيل، كأن العالم كله حبس أنفاسه. ثم، من بعيد، من مكان لم تكن تعلم بوجوده، جاء صوت. بكاء رفيع حادّ، غاضب ومندهش، كأن صاحبه يحتجّ على هذا الضوء كله وهذا البرد كله.

«ألف مبروك»، قالت الطبيبة بصوت ضاحك مرتجف. «بنت. بنت جميلة».

وضعوها على صدر سلمى، صغيرة زلقة دافئة، بجسد يتحرك كالسمكة، وقبضتين مضمومتين كأنها جاءت وفي يديها سرّ لا تريد أن تعطيه لأحد. نظرت سلمى إلى وجهها، إلى أنفها الدقيق وجفنيها المنتفخين، وشعرت بشيء لا اسم له يتفتّح في صدرها. ليس فرحًا فحسب، ولا حبًّا فحسب، بل شيئًا أقدم وأوسع، كأن قلبها كان غرفة صغيرة والآن انفتحت جدرانها على بحر.

«مرحبًا»، همست، ولم تعرف لماذا تبكي. «مرحبًا يا حبيبتي. أنا هنا».

توقفت الصغيرة عن البكاء لحظة، كأنها تعرف هذا الصوت. الصوت الذي سمعته شهورًا من الداخل. 

حين فُتح باب الغرفة في السابعة صباحًا كان المطر قد توقف، وكانت الشمس ترسم على الجدار شريطًا ذهبيًّا رقيقًا. دخل كريم مبلّلًا، شعره منفوش وعيناه محمرّتان، وقميصه مقلوب من الاستعجال. وقف عند الباب لا يستطيع أن يتقدم.

«تعال»، قالت سلمى، بصوت متعب جدًّا وسعيد جدًّا.

اقترب على أطراف أصابعه كمن يدخل معبدًا. نظر إلى الصغيرة النائمة على صدرها، ثم إلى سلمى، ثم انحنى وأخفى وجهه في كتفها وبكى بصمت. وضعت يدها على رأسه المبتلّ.

«آسف»، قال. «آسف لأني لم أكن هنا».

«كنتَ هنا»، قالت، وكانت صادقة. «كنتُ أسمعك طوال الطريق».

ومن الباب، أطلّت سعاد بوجهها المجعّد المبتسم، وقد حملت في يدها كيسًا فيه تمر وقهوة. وقفت صامتة لحظة تنظر إليهم، ثلاثة أرواح في سرير واحد، ثم رفعت عينيها إلى السقف وهمست بشيء لم يسمعه أحد. 

في المساء، حين خلت الغرفة وهدأ المستشفى، جلست سلمى وحدها مع ابنتها في ضوء المصباح الخافت. كانت الصغيرة تنام بين ذراعيها، تتنفس بسرعة صغيرة منتظمة، وتحرّك شفتيها في حلم لا يعلمه إلا هي.

فكرت سلمى في تلك الليلة، في الخوف والظلام والطريق الترابي والصوت المشروخ على الهاتف. كل ذلك بدا الآن بعيدًا كأنه حدث لامرأة أخرى. لكنها تعلم أنها لن تنسى. ستحمل هذه الليلة في جسدها كما تحمل الشجرة حلقاتها.

اقتربت من أذن ابنتها وهمست:

«أتعرفين؟ حين كنتِ في الطريق إليّ، كنتُ أظنّ أنني أمشي وحدي. لكن لم يكن أحد منّا وحده. أنتِ كنتِ معي، وأمي كانت معي، وكل النساء اللواتي سبقننا. وأنتِ يومًا ما.. ستمشين هذا الدرب نفسه، أو درب آخر يشبهه. وسأكون هناك».

فتحت الصغيرة عينيها لحظة، ونظرت إلى اللا شيء بنظرة داكنة صافية، ثم أغمضتهما.

وفي الخارج، كانت المدينة تستعيد أضواءها واحدًا بعد الآخر، وكان فجر جديد، بعد ليلة طويلة، يتهيأ للصعود.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد