الكيان الممتلئ بآخر المعنى وببقاياه قبل الأفول

الكيان الممتلئ بآخر المعنى وببقاياه قبل الأفول

اللوحة: الفنانة الألمانية تانيا فيتر

يونس طير

إلى الصديق هشام المعطاوي الذي تفتنه معجزة اسمها الحياة..

“قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرف

الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ!

وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني، ويُرْجِعُني

إلى زَمَنٍ خرافيّ. ويوجعني دمي

والملحُ يوجعني.. ويوجعني الوريد…”

محمود درويش

تسرح المخيلة نحو العمر القديم، وتحضر القيامة التي كانت. المخيلة الموبوءة باللعنة القديمة. ومن الصحراء تنهض قبيلة ترقص للشمس وتبشر بالأجساد العارية. وعلى مقربة من انتصار البياض، يمسد شاعر على حقل النعناع، ويعلن احتمال الحضور.

لا دم يسري في العروق اليوم.

لا قلب لينبض كالعادة.

لا مخيلة لتسكنها اللعنة.

لا منطق يحكم العالم، ولا ماء في النهر العامر دوما.

لا دموع لتساوم غرائبية هذا التوقف الفجائي للمجرى.

متعب أيما تعب هذا النفس الذي يبقي على الكيان. النفس تتلقفه صحراء الأسئلة، ويتربص به موج اللاجدوى الأهوج. النفس المشبع بالتعب يشبه دائرة تعزل الألوان ولحظات المعنى الرديئة. كان الكيان في احايين كثيرة يحرق شعر الصدر، ويكسر عظام الجسد المزهوة بوظيفة إظهار الذي يحلم بأفوله. وفي أحيان أخرى، كان يعيد تشكيل تفاصيله الباهتة، على شكل غزال وينام في مصيدة المعضلة.

وفي الزمن المتشح بالبياض، كانت المعضلة تخنق الكيان، وترغمه على منفى السؤال. ووحده الطريد يشيد قبره في الظلام.

ولا عصافير لترسم طريقا نحو السماء.

لا كلمات لتكسر لعنة هذا السؤال الذي يلعب الغميضة داخله.

ولا قلب يشبه المجازات الزرقاء.

ولا نطفة من شبه حياة ليتوسل بها،

ليشيد بظلها أسطورة الحضور، ضدا في الغياب الذي ألغى المعتاد للأبد، وأحرق الظل الوحيد الذي ولد من صورة المعنى المتفرد: أبي..

ومجددا، وكسؤال جائع يقتات على الفاجعة، امتلأ الكيان بالفراغ العظيم: آخر المعنى، بقاياه قبل الأفول. ما أمر اللعنة التي تمص ضوء العين..

يا الأفول المنتظر: ليأتي ملكوتك.

يا النكران، يا درعي الأوحد: اشرب نخب هذي المخيلة.

يا السكينة: أغمري الذاكرة بلحظة من المعنى.

–  هل يحالفنا الحظ ونركن للزاوية؟

– هل تلمح لإعلان الهزيمة؟

– ربما لا يقدر قلب واحد أن يجابه حقيقة أن الزمن أودى بمعناك.

– بل قل معنى كل شيئ..

وبعيدا، في الأفق البعيد، كان الكيان يحلم بالكلمة المنشودة، وبالحب والسماء والحضور والسهل الفاتن والجدار المشيد بالحب وخلود النقيض. يحلم بالزمن الذي لا يخترقه منطق الموت. وحين يثقل كاهله القبر الترابي على ظهره، كان يعلن الحرب على الغياب العبثي.

يا المغيب: أرعى بالكلمة حضورك.

يا المغيب: أستبدل الأنبياء جميعهم بكلماتك.

يا المغيب: أحرق التاريخ كي لا يدون الفجيعة.

ألتهم المقابر وأنبش الأساطير القديمة،

وألتهم وجهي حين أجوع.

أهجر ظلي للأبد،

وأتنازل عن الحق في الحلم..

يا الغياب الذي لا يغفر: اسخر من الملح في البحر قليلا. وامتطي الهاوية والحزن ولا تكترث بالمعنى والصراط. يا العمر المهمل في الهوامش المنسية: العمر الذي أودى بالمعتاد.

يا المغيب: أطعم النار عظامي، وأبني مملكة حضورك بالغابة داخلي. وبالحنين والجنون وبما تبقى من الضوء بعيني.

يا المغيب: أبلع شرور القبائل كلها. 

وأرمي بميلادي للسراب، وأصنع حضورك من الصدى والأغنيات والصلوات، ومن الهزائم كلها ومن خجلي..

لا صلاة بعدك ولا أنا لأهذي بك: يا مسك الحقل والبنفسج. يا نفس الندى وروح الحقائق. يا المغيب: سقط كل الذي كان في العدم بعدك، وتسلل الفراغ الأسود للعظام، والتهمت الفراشات الأحلام جميعها.

يا المغيب: يلمح التاريخ سره العبثي في حنطة يتيمة.

ولا شمس لتغرب اليوم،

لا شعراء ليتسكعوا في الدهشة.

يا الزمن الذي تمرد على مغزاه، واختار أن يسكن غضب الخريف المتعب.. يا عش الفرح والأمنيات والسلام تحت ظل الدالية.

يا الحضور الذي لابد منه: أنثر الأفول والحرائق والملح في حقل غيابك الذي لا يصدق.

يا بذرة الدهشة والوصية الأزلية.

يا تعب الحضارات

ونبيذ القيامة،

يا الكلمة السماوية.

ويا رؤيا الطيبين،

وجسر العصافير نحو اسمك.

يا ندى الغابات.

يا مسيحا يتسلق سلم القيامة، حين الشروق وحين الغروب: حلق ذقنك ومسد صدري الطفولي، وانثر سلاما في حقل كبير متعب بالسؤال.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد