اللوحة: الفنانة الرومانية دانييلا مارتينوف
مقدمة
تداعت على مظانّ الوجدان، في مجاهل الأثير، أطيافٌ من الضباب المتشظّي، لتتجسّد في هذا السفر الوجداني شواهدُ شجنٍ يتلجلج بين دياجير الوحشة وتضاريس الذات المتعطشة إلى الإبصار. إنها تجلياتٌ تتوزع على أرصفة العزلة، وتبوح ببثٍّ مكين يتدرج بين خفوت الرجاء وسطوة الغياب، لتصوغ، من بين هذا الشتات، ملاذًا يتسامى على نوائب الدهر وطوارق العدم.
هذه القصائد ليست سوى محاولات للإنصات إلى ما تتركه الذاكرة في الروح من ندوبٍ لا تُرى، وما يخلّفه الغياب من فراغٍ يتحول، مع الوقت، إلى حضورٍ آخر. إنها كتابةٌ تتلمّس الإنسان في وحدته، وفي خوفه، وفي بحثه عن معنى يضيء عتمة الطريق، حتى حين يبدو الطريق بلا نهاية.
القصائد
(1)
غياب
الباب مفتوح،
والريح وحدها تدخل.
كرسيان،
واحدٌ فارغ منذ سنة،
والآخر يتظاهر بأنه ليس كذلك.
أُعِدُّ القهوة لشخصين،
كي لا يخبرني الفنجان الثالث
أنني أعيش وحدي.
الغياب لا يشغل مكانًا،
لكنه يملأ البيت كله.
(2)
جسد المدينة
الشارع يتنفس دخانًا،
والأرصفة تحفظ خُطىً لا تعود.
نافذةٌ
مضاءة في الطابق الخامس،
تقول إن أحدًا ما
ما زال يقظًا،
يخاف النوم مثلي.
المدينة لا تنام،
لكنها تتعب،
وتتعب أكثر
حين تدّعي أنها بخير.
(3)
صلاة
يا من لا يطلب
إلا الحضور،
علّمني أن أصغي
كما يصغي الحجر للمطر.
لا أطلب اليقين،
أطلب أن أثق بالطريق
حتى حين تختفي الخُطى.
اجعل قلبي
إناءً فارغًا،
كي تسكنه.
(4)
مرآة
أقف أمامها كل صباح،
كأنني ألتقي غريبًا
يشبهني بدقة مخيفة.
من منّا الأصل؟
ومن منّا الظل؟
لا تجيب المرآة،
فقط تعيد إليّ سؤالي
أكثر برودة.
(5)
طفولة على الحائط
خطٌّ
بقلم رصاص
يقيس طولي
كل عام،
توقّف فجأة
عند الرابعة عشرة.
الحائط لا يزال هناك،
لكن البيت
باعوه،
وأنا كبرت
في بيوتٍ
لا تقيس أحدًا.
أحيانًا
أحلم أنني أعود
لأكمل القياس.
(6)
البحر يكذب بلطف
قال لي البحر إنه هادئ،
وكان يخفي
عاصفةً في قاعه.
هكذا نفعل
نحن أيضًا:
نبتسم في الوجوه،
ونغرق في الداخل
بصمتٍ أنيق.
تعلّمت من البحر
أن أكذب بلطف،
وأن أعترف
حين لا يسمعني أحد.
(7)
الخوف
لم يكن الظلام،
بل الخوف
أن تعرف ما الذي ينتظرك فيه.
أنا لا أخاف الموت،
أخاف أن أموت
قبل أن أقول
ما لم أقله.
الخوف الحقيقي صامت،
يجلس بجانبك،
ويشرب قهوتك ببطء.
(8)
رسالة إلى أمي
أمي،
لم أخبرك يومًا
أن صوتك في الهاتف
يشبه المنزل.
أنا بخير
هنا،
لكن «هنا»، أينما كان،
لا يشبه «عندك» أبدًا.
اشتقت
حتى إلى توبيخك اللطيف.
(9)
ما بين الوصول والتيه
أمشي
كأن الطريق يعرفني
أكثر مما أعرفه.
كل جهة تشير إليّ،
ولا تدلّني.
أصل
كي أكتشف أنني كنت أبحث
عن شيء
تركته خلفي.
التيه ليس ضياعًا،
بل ذاكرةٌ
لم تجد مكانها بعد.
(10)
الحرية
قالوا:
أنت حر.
سألت:
حرٌّ من ماذا؟
لم يجيبوا.
الحرية التي بلا اختيار
سجنٌ بواجهة زجاجية.
أريد أن أختار
حتى قيودي،
لا أن تُختار لي
باسم الحرية.
(11)
عصفور في القفص المفتوح
الباب مفتوح.
العصفور لا يطير.
تعود القضبان
أكثر مما تعود السماء.
أحيانًا،
القفص ليس معدنًا،
القفص عادة.
(12)
اعتراف
لست بخير كل الوقت،
فقط أتقن التمثيل
في الوقت المناسب.
أضحك في النهار،
وفي الليل
أعيد ترتيب الأنقاض بصمت.
هذا ليس ضعفًا،
هذا أن تبقى واقفًا
رغم أن أحدًا
لا يرى الثقل.
(13)
المدينة التي غرقت في الذاكرة
يقولون
إن مدينةً غرقت هنا،
تحت هذا الشارع بالضبط.
أسمع أحيانًا
أجراسها
حين يهدأ الضجيج.
كل مدينة
تحمل مدينةً غارقة تحتها،
وكل إنسان
يحمل طفلًا
غرق فيه يومًا.
(14)
تمرين على الوداع
الخطوة الأولى:
لا تنظر إلى الخلف.
الخطوة الثانية:
انظر إلى الخلف
على أي حال.
الخطوة الثالثة:
تظاهر أن ذلك لم يحدث.
الوداع علمٌ فاشل،
كل مرة نتعلمه من جديد،
وكأننا لم نودّع أحدًا
من قبل.
(15)
ضوء أخير
الساعة الثالثة فجرًا،
وحدي أنا
والثلاجة تطنّ.
كوب ماء،
ونافذة سوداء
تعكس وجهًا
متعبًا أعرفه.
في هذه الساعة بالذات،
تصبح الأسئلة الكبرى
صغيرة بما يكفي
لتُطرح.
(16)
حرب لا تُذكر في الأخبار
لا أحمل بندقية،
لكنني أخوض
حربًا كل صباح
ضد الرغبة في الاستسلام.
الجرحى هنا
لا يظهرون على الشاشات،
يمشون بيننا،
مبتسمين،
منهكين.
كل إنسان صامد
جبهةٌ
لا تُذكر في نشرة الأخبار.
(17)
عن اللغة
الكلمات تخونني أحيانًا.
أريد أن أقول:
«أحبك»،
فتخرج جملةٌ عن الطقس.
اللغة قفصٌ جميل،
أزيّنه بالاستعارات
كي أنسى أنه قفص.
ومع ذلك،
لا أثق إلا بالكلمات
حين تخذلني
كل الأشياء الأخرى.