السيطرة تحت الأمور.. عن زمنٍ تنقلب فيه الحقائق على رؤوسها

السيطرة تحت الأمور.. عن زمنٍ تنقلب فيه الحقائق على رؤوسها

اللوحة: الفنان الأمريكي نيك آد

في زمنٍ يُفترض أن تكون فيه “السيطرة فوق الأمور”، وجدنا أنفسنا نعيش في مرحلة متقدمة من تطور الكوميديا الاجتماعية، حيث أصبحت السيطرة تحت الأمور، تُطلّ علينا من باطنها مثل فأرٍ يدير مصنع شوكولاتة.

كل شيءٍ مقلوب. الأمور لا تُدار بل تديرنا، ولا تسير بل تسحبنا جَرًّا، ولا تستقيم بل تنحني لتسخر منا، ونحن نتمايل فوقها كما تتمايل أوراقُ الجرجير في شطيرةٍ منسية.

في هذا الزمن، لا نحتاج إلى من يحلّ لنا الأمور، بل إلى من يشرح لنا: ما هي الأمور؟ ومن أعطاها هذا النفوذ؟ ولماذا صارت تطلّ علينا من الأسفل؟

سابقًا، كان الفيلسوف يقول: “اعرف نفسك”، أما الآن، فالأمر اختلف: “اعرف من يتحكم بك وأنت تظن أنك القائد”.

نحن نعيش مرحلة “التحكّم الذاتي المعكوس”، حيث تظن أنك تتخذ القرار، بينما القرار يتخذك. تستيقظ لتذهب للعمل، لا لأنك قررت، بل لأن “فاتورة الكهرباء” أيقظتك قبل المنبّه، وهمست في أذنك: “قم قبل أن أقطعك”.

في زمننا، الأمور تنقلب على رأسها كما تنقلب المقلوبة في صحن ضيق. يُكافأ الكسول لأنه لم يتعب نفسه بالتفكير، ويُتهم الذكي بالخيانة لأنه تجرأ على طرح سؤال، ويُرفع الجاهل لأنه صرخ أكثر من البقية.

المهندس يضع الخطط بعد وقوع المصيبة، ويشرح لك بعد الغرق لماذا القارب لم يكن فيه مجداف.

الفنان يُقيَّم بعدد المتابعين، لا بجودة الفن. والفقيه يُسأل عن سعر الدولار، بينما الخبير الاقتصادي يُسأل عن حكم أكل الطين.

لقد تحوّلت الأمور إلى حقل تجارب: الأكفّاء يديرون العاطلين في أفكارهم، والعاطلون يديرون الأكفّاء في مناصبهم. الحقائق تُراجع من قبل منصّات وهمية،والأكاذيب تُنشر على أنها “نقاط مهمة”.

في زمن السيطرة تحت الأمور، لا تسأل: “من يقود السفينة؟” بل اسأل: “من أدار المحرك بالعكس؟”. ولا تتأمل النور في آخر النفق، فقد يكون المصباح متعطلاً، أو النفق نفسه في طريقه إلينا.

في النهاية: لسنا بحاجة إلى ثورة على الأمور، بل إلى تصحيح “اتجاه الأمور”، كي تعود السيطرة إلى مكانها الطبيعي: فوقها… لا تحتها.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً