المالا نهاية

المالا نهاية

اللوحة: الفنانة الإيطالية مينا غالو

ثمة لحظة، حين يحدّق الإنسان في الأفق البعيد، لا يرى نهايةً للخطّ الذي يمتد أمامه، فيشعر أن العالم ليس سوى وهمٍ من خطوطٍ متقابلة تتظاهر بالانغلاق، لكنها في حقيقتها تفتح أبواباً لا تُحصى. تلك اللحظة هي أول ملامسةٍ مع المالا نهاية، حيث كل شيء يبدو قابلاً لأن يتسع أكثر، أن يمتدّ أبعد، أن يتعمّق بلا قاع.

المالا نهاية ليست رقماً، ولا مسافة، ولا زمناً يمكن حصره. إنها فكرة تتنكر في هيئة اللا ملموس، وتعيش في ثنايا كل ما نحاول تحديده. حين نقول “هنا ينتهي البحر”، يظهر لنا لون جديد من الموج ليكذبنا. حين نقول “هنا ينتهي العمر”، ينبعث من الذكرى حياةٌ أخرى. المالا نهاية هي ما تبقى بعد أن نغلق الأبواب جميعها، ونكتشف أن الريح ما زالت تدخل من ثقبٍ صغيرٍ في الجدار.

في كل محاولة للقياس، يُولد تناقض. فالعين، مهما رأت، لا ترى كل شيء. والعقل، مهما أدرك، لا يدرك إلا ما تسمح به حواسه. ولكن خلف هذا الإدراك المحدود، ثمة ظلّ يتمدد بلا إذنٍ من أحد. هو الظل الذي لا يتبع الجسد فقط، بل يتبع الفكرة، والخوف، والرغبة، والحنين. ذلك هو فضاء المالا نهاية الذي يسكن الإنسان دون أن يشعر، ويجعله يبحث باستمرار عمّا لا يمكن الإمساك به.

الطفل حين ينظر إلى السماء يتساءل: أين تنتهي؟ والعجوز حين يغمض عينيه يتساءل: إلى أين سأذهب؟

بين السؤالين تنبض المسافة ذاتها، المسافة التي لا تُقاس. وكأن الزمن نفسه لا يسير إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء، بل يلتفّ على نفسه مثل ثعبانٍ يعضّ ذيله، وكل دورةٍ له تُنتج بدايةً جديدةً، لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها.

المالا نهاية ليست في الكون فقط، بل في الإنسان نفسه. في ذاكرته التي تتكاثر كلّما حاول نسيانها، وفي مشاعره التي لا تهدأ حتى بعد أن يظنّ أنه تجاوزها. كل تجربة تُولِّد ظلّاً لا يزول، وكل فكرةٍ تُخلّف صدى لا ينطفئ. ربما لهذا يشعر المرء أن في داخله أكثر من عمرٍ واحد، وأن كلّ ما عاشه لا يُطوى فعلاً، بل يتحوّل إلى دائرةٍ أخرى تفتح الدائرة التي تليها.

وحين نحاول الهرب من المالا نهاية، نجدها في أبسط التفاصيل: في قطرة الماء التي تلمع قبل أن تسقط، تحمل صورة السماء كلها. في حبة الرمل التي تخفي تاريخ الريح. في الكلمة التي نكتبها ولا نعرف كم مرةً ستُعاد قراءتها، وكم ذهنٍ ستخترق بعد أن نمضي. المالانهاية هي الامتداد الخفيّ لكل أثرٍ نتركه، مهما بدا صغيراً.

حتى الصمت له لا نهاية، لأنه لا يخلو من المعنى. وربما تكون المالانهاية أقرب إلى الصمت من أي شيء آخر، فهي ليست امتلاءً ولا فراغاً، بل حالة من الانفتاح على كل الاحتمالات. كأنها مرآةٌ تعكس ما نضع أمامها، لكنها لا تكتفي بالانعكاس؛ بل تبتلع الصورة في أعماقها، وتعيد إخراجها على هيئة سؤالٍ جديد.

في الليل، حين تخفت الأصوات، وتبدأ الأفكار بالانسياب، يشعر الإنسان أن كل ما ظنّه محدوداً يتلاشى. لا يعود هناك حدّ بين الماضي والمستقبل، ولا بين الخارج والداخل. يصبح الكلّ واحداً، وتذوب الفواصل كما يذوب الجليد في الماء، لتظهر حقيقةٌ واحدة: أن المالانهاية ليست هناك… بل هنا، في اللحظة التي نحياها.

المالا نهاية لا تطلب أن تُفهم، بل أن تُعاش. هي في البسمة التي لا يُعرف سببها، في الدمعة التي لا تملك لغة، في صدى صوتٍ يتكرر في الذاكرة ولا يجد سكناً. كل ما نحاول فهمه ينتهي، وما نعيشه فقط يستمر.

وهكذا يبقى الإنسان بين وهمِ الإمساك بالحقيقة، وواقعِ أن الحقيقة لا تُمسك. كلما اقترب منها ابتعدت، وكلما ظنّ أنه لمس أطرافها، وجد أن أطرافه نفسها امتدت معها. ربما كان في ذلك عزاءٌ خفيّ: أن لا نهاية، إذًا لا هزيمة. ما دام الخطّ مستمراً، فما زال الطريق قائماً.

المالا نهاية هي الوجه الآخر للوجود، المرآة التي لا تكفّ عن الانعكاس، الحكاية التي تروي نفسها دون أن تُختتم.

هي النَفَس الأول الذي لم ينقطع بعد، والدهشة التي لا تشيخ، والسرّ الذي لا يحتاج إلى كشفٍ ليكون حقيقياً.

فكلما حاولنا تحديدها، ابتسمت في صمتٍ عميق، كأنها تقول: “أنا لست شيئاً يُدرك، بل فضاءٌ يُسكن.”

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً