ليلاه ماذا تغني

ليلاه ماذا تغني

اللوحة: الفنان المجري دافيد بروكاي

أنيس علي قايد الصلاحي 

بعد موت أبيه، لم يرث أحمد أرضاً فقط، بل ورث وادياً كاملاً بين جبلين. وادٍ تظلله أشجار باسقة، لا يهدأ حفيفها مع الريح. عاد من المدينة ليستصلحه، وكأنما يرد ديناً قديماً لأبيه.

كان كل شيء يبعث على الرضا، لولا أمران ينغصان عليه فرحته: سد القرية الشحيح الذي لا يمتلئ إلا بمطر، وقطعة الأرض التي وهبها أبوه لعمه. وهبه إياها لا ضعفاً، بل وفاءً لوقفته معه في مرضه حين كان أحمد غائباً في المدينة. وكان عمه رجلاً لا يكف عن الشكوى، يشكو أحمد لكل من يلقاه، بلا سبب.

معه كان “نعمان”، جاره وابن قريته، يساعده في ترميم السواقي وتعلية الجدران كي لا تجرفها السيول.

توقف نعمان فجأة وهو يرى أحمد يصلح أرض عمه أيضاً، وقال بدهشة: “أصلح أرضك، أفهم. لكن لماذا تصلح أرضه وهو يأكل لحمك ليل نهار؟ لولا أبوك، ما وجد ما يأكل!”

ابتسم أحمد، ومسح العرق عن جبينه تحت شمس بدأت تميل للغروب، ترسل خيوطها الصفراء فتكسو الوادي بلون برونزي: “اصنع الخير وارمه في البحر يا نعمان. عمي مقام أبي. هيا، الشمس على وشك الغروب.”

نظر نعمان إلى وجه أحمد وقد رسمت عليه أشعة الغروب ابتسامة هادئة لا تشبه أحداً في هذه الدنيا، ثم أكمل العمل صامتاً.

عند المغيب، ودعه: “غداً نكمل إن شاء الله.”

في طريقه إلى الدار، كان سؤال واحد يثقل خطواته: لماذا يكرهه عمه؟ ولماذا يكرهه راشد ابن عمه وهو قد زاد له في الأرض فوق ما وهبه أبوه؟ لم يجد جواباً، فأسقط السؤال ومضى.

دق الباب، فانفتح على فرح.

“بابا.. بابا حبيبي!”

كانت ابنته “فرح” – وما أجمله من اسم على مسمى – تسبق أمها دائماً. كلمة واحدة منها كانت كفيلة بأن تمحو تعب النهار كله. جلست تدور حولهما وهما يتعشيان، تصفق، تحتضن وجهه، تضحك بعينين مغمضتين وفم بريء.

ضحك الأب، ونسي الوادي والسد والعم.

تثاءبت الصغيرة، أرادت أمها أن تأخذها لتنام، فتشبثت بأبيها. نامت في حضنه. كان يسمع ضحكتها وهي نائمة، فيضمها أكثر.

نظرت إليهما زوجته وضحكت: “يبدو أنه لم يعد لي مكان!”

قال أحمد وهو يحتضن فرحته: “بل أنتِ الأصل وهي الفرع. ولولاكِ ما رزقت بهذه الفرحة.”

كانت جملة بسيطة، لكنها كفتها وملأت قلبها رضا.

في الجهة المقابلة من القرية، كان المشهد معكوساً.

على عشاء بارد، سأل راشد أباه: “لماذا أحمد يملك الوادي كله ونحن لا نملك إلا هذه القطعة؟ لماذا هو أكثر منا؟”

سكت أبو راشد. كيف يخبر ابنه بالحقيقة؟ كيف يقول له إن أخاه – أبا أحمد – كان يجمع القرش فوق القرش ليشتري شبراً شبراً، بينما هو كان يبدد ماله ببذخ، ترضية لزوجة كثيرة الطلبات، كثيرة الخروج والتنزه في المدينة؟

كيف يقول له: لولا طيبة أخي، لما ملكنا حتى هذه القطعة؟

هذا هو الجرح الحقيقي الذي كان يأكل قلبه. كان يقسو على أحمد ويشكوه للناس، فقط ليغطي على خجله، وليظهر أمام ابنه أنه مظلوم، خوفاً من أن يأتي يوم ويقول أحمد الحقيقة أمام القرية كلها.

نام العم تلك الليلة وقلبه يتصارع مع عقله: هل يعترف لابنه؟ هل يعتذر لأحمد؟

وفي نومه، صرخ: “أخي.. أخي!”

استيقظ راشد مذعوراً على صوت أبيه. سمع الكلمة، لكنه لم يفهمها.

ظن الأب أنه ينادي أخاه الميت معاتباً، يطلب منه السماح على سوء المعاملة.

أما راشد، ففسرها بطريقته: ظن أن أباه ينادي عمه ليسترد حقه في نصف الأرض.

وهنا.. كانت البذرة الحقيقية للشر قد زرعت. بذرة سوء فهم، ستنبت في الصباح حقداً جديداً.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً