«قهوجية».. بثياب موشاة بالذهب

«قهوجية».. بثياب موشاة بالذهب

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان الإنجليزي جون فردريك لويس

شكَّل وجود الخدم والعبيد ضرورة أساسية فى بيوت جماعة النخبة، وكانت أقل الأعمال وأكثرها تفاهة يتعفف الواحد منهم عن القيام بها، وكان ذلك مما قضت به تقاليد أهل اليسار من الصفوة وخاصة قبل القرن التاسع عشر. وكان الإكثار من الخدم قد مثَّل ظاهرة جلية، فرضت نفسها فى ظل تبارى جماعة النخبة على ترجمة ما تحوزه من ثراء فى امتلاكها لمثل تلك الأدوات والوسائل التى عبَّرت بها عن وضعها الاجتماعي بلغة هادئة لا تحتاج إلى ضجيج الكلام أو الدعاية والإعلان. 

وساد اعتقاد راسخ فى الذهنية الاجتماعية أن قلة وجود الخدم أو انعدام وجودهم كان دالة كاشفة عن تواضع حال السيد صاحب البيت. وتحتفظ ذاكرة المصادر الفرنسية بحادثة لها دلالتها فى تبيان مدىأهمية عدد الخدم: فقد حدث زمن الاحتلال الفرنسى، أنه حين وصل بونابرت إلى السويس (فى ديسمبر 1798) برفقة نخبة من كبار تجار القاهرة الأثرياء، كان أقل هؤلاء التجار يصطحب معه ثمانية من الخدم على الأقل: «فكان أحدهم يصنع القهوة، والآخر يحمل الغليون، والثالث يُعنى بالخيمة». وأبدى هؤلاء التجار دهشتهم لتواضع الجنرال القائد العام الذى يمتلك البلاد تحت يمينه، ومع ذلك لا يصطحب معه سوى ثلاثة من الخدم!. 

وسيلة للاغتيال

كثيراً ما استخدمت القهوة كوسيلة هادئة للتخلص من الخصوم والشخصيات غير المرغوب فيها، وكان البكوات المماليك حذرين عند تناولها، وفى هذا السياق يذكر ابن عبد الغني أنه خلال المنافسة التى كانت محتدمة بين الأميرين زين الفقار بك وجركس بك (خلال عام 1724م)، حين نزل الأول ببيت منافسه، استقبله أحد المماليك معتذراً بأن سيده في الحريم، ومقدماً إليه فنجان القهوة على سبيل القيام بواجب الاستقبال؛ ففهم على الفور زين الفقار المكيدة فقفز قائماً وغادر المجلس سريعاً. وكان الخدم والمماليك الذين يتورطون فى خطأ يدين أو يلحق الإساءة بسيدهم، يعلمون جيداً أن أمراً بتقديم القهوة لهم يعنى النهاية بموتهم فى الحال. وتحولت هذه الممارسة، فى القرن التاسع عشر، إلى ظاهرة متكررة، يعرفها جميع المشاركين فى السلطة، ويتحرزون من الوقوع تحت طائلة خدعتها القاتلة(١). ويذكر عن محمد على باشا أنه كان يتظاهر بالتمنع عن شرب القهوة بزعم أنها غير نظيفة؛ ولا يشربها حتى يُكَرر له خادمه فى كل مرة يطلب فيها احتساء فنجان القهوة عبارة: «فلأحرم من استعمال ذراعى وساقى، وأن أظل طوال حياتى أهيم على وجهى اتسول من الناس عبر الطرقات إذا لم يكن هذا الماء نظيفًا» بعدها يتناول الباشا القهوة.

القهوة والغليون ورمزية الترفع

ومن الواضح أن القهوة والغليون وتعدد الخدم جميعها ظهرت فى المشهد كأدوات لا غنى عنها لإبراز رمزية الترفع عن الخدمة الذاتية، وهو ما كان يُعد قرينة على كل منتمٍ إلى دائرة النخبة الثرية التى اعتادت الاعتماد على غيرها فى قضاء كل شواغلها اليومية. إن القهوة والغليون بالنسبة لجماعة النخبة إنما يطرحان بقوة أهمية الدور الذى لعبه الخدم فى حياة هذه المجموعة الاجتماعية. ومن ثم لم يكن غريباً، على سبيل المثال، أن اعتبر المعاصرون أن أهم علامة دلت الناس على تواضع أحوال المماليك، زمن الاحتلال الفرنسى، أن أعظم أمرائهم «صار يخدم فرسه بنفسه!». إن وجود الخدم إذاً كان ضرورة فى حياة تلك النخبة، وأن اضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم كان مؤشرًا لا تخطئه العين على حدوث تحول فى وضعيتهم ومكانتهم، والانعكاس السريع لذلك كان واضحاً جلياً فى تغير الصورة الذهنية للمجتمع بشأن الوضعية المتميزة للسيد المملوكى الذى لم يعد عند مطلع القرن التاسع عشر يتمتع بالقوة والنفوذ ولا بالثروة والمكانة التى كان عليها فى السابق. إن مراقباً حاذقاً مثل الجبرتى لم يفته تسجيل الحالة السيكولوجية المتدهورة للأمراء المماليك، وهم يحاولون إخفاء حقيقة أحوالهم المادية المؤسفة، وأن حرصهم على هيئتهم التى أبهرت الوزير العثمانى (1801م) كانت فوق طاقة تحملهم «فغالبهم [كان يعانى] من التفليس ولا يملك عشاء ليلته فضلًا عن كونه يقتني حصانًاوشنشارًا وخدمًا ولوازم لابد منها ولا غنى للمظهر عنها‏».

كذا الحال خارج دائرة السلطة، كان الخدم المكلفون بإعداد القهوة والغليون، فضلاً عن الأعباء المنزلية الأخرى، يلعبون فى حياة الأعيان (الميسورين) دوراً واضحاً فى إظهار المكانة الشرفية؛ فقد لاحظ إدوارد لين أن من دواعى الفخر والمباهاة للمصرى: «أن يمشى الهُوينا مزهوًا متفاخرًا بعبده الأسود الذى يسير وراءه ويحمل له غليونه».

إعداد الخدم

ولفت كلوت بك الانتباه إلى أن السادة كانوا يعمدون إلى شراء الخدم صغاراً؛ ليعملوا على تلقينهم آداب الخدمة القائمة على وجه الخصوص حول كيفية تقديم القهوة والغليون وتهيئة المكان: «فكان الواحد منهم يشترى عبداً ثم يبدأ بتعليمه فروض الدين وإيقافه على قواعد القراءة والكتابة حتى إذا شب وترعرع وكل به أمر تعمير شبكه أو تهيئة قهوته أو تجهيز فرشه – أى جعله إما شبكجيًا أو قهوجيًا أو فراشًا». ولعل فكرة شراء الخدم صغاراً كانت أيضاً بقصد غرس قيم الأمانة والشرف والتفانى فى خدمة السيد الذى لا يضن بماله وكرمه عليهم؛ وذلك بالنظر إلى أهميتهم البالغة وخطورة استخدامهم فى حياكة المؤامرات ضده؛ وفى هذا السياق يمكن أن نفهم لماذا كانت العادة تقضى أن يقوم القهوجى أمام الحضور بتناول رشفة من الفنجان أولاً قبل أن يناوله لسيده وضيوفه.

القهوجية في مقدمة الخدم

وارتبط بظاهرة الإكثار من الخدم الاتجاه نحو تقسيم العمل، فكان لكل فرقة من الخدم اختصاص فى مزاولة عمل لا يتعين تجاوزه؛ فهو بمثابة «صناعة له لا يجوز أن يتعداها إلى غيرها». وبداهة كان التخصيص مقصوداً فى حد ذاته لاستعراض جانب مهم من قوة الثراء. فى هذا السياق كانت جماعة النخبة تحتكم فى بيوتها على عدد معين من الخدم، ولا غرو أن «القهوجية» كانوا فى مقدمة هؤلاء الخدم، لا يقومون بعمل سوى إعداد القهوة وتقديمها، وكان يطلق عليهم «مقدمو القهوة»، وهم بخلاف «الشبكجية» الذين لا عمل لهم سوى تجهيز الشبك ووضع الدخان وتقديمها إلى السيد ورفقائه…إلخ. وعلى ما يبدو كان هذا التخصيص معبراً عن ثقافة عثمانية: ففى سرايا الباب العالى باستانبول كان يوجد موظف يدعى «قهوجى باشى» مختصاً بخدمة إعداد القهوة داخل البلاط السلطانى. وفى القاهرة سار الوزراء الباشاوات على النسق نفسه؛ فكان يعمل لدى باشا القاهرة ذات الموظف «قهوجى باشا» ضمن مجموعة كبيرة من الخدم، أُطلِق عليهم «فراشو الباشا». وتوضح المصادر الأدبية أن كل بيت مملوكى بالقاهرة كان به «قهوجى» (وأحيانًا يُطلق عليه الاصطلاح المملوكى الكلاسيكى الشرابدار)، يتولى القيام بخدمة إعداد القهوة كذلك. 

المشهد الطقوسي لتقديم القهوة

وسجل نائب القنصل الفرنسى جان كوبان (1646-38) تفاصيل دقيقة للمشهد الطقوسى المقترن بعملية تقديم القهوة/ وذلك لدى استقباله بديوان أغا الإنكشارية، والتى أخذت بلبِّه روعة مشهدها؛ فكتب يقول: «استقبلنا الأغا بالديوان الذى كان مفروشًا بسجادة رائعة الجمال، وبعد وقت قليل من حفاوة الاستقبال، أمر بأن يحضروا لنا الشربات والقهوة. فجاء أربعة من الخدم يرتدون الدُّولِمان Dolimans(وهو معطف واسع عند الإبط ضيقهما عند الرسغ)، مصنوع من قماش الكتان الأبيض الرقيق، ويتمنطقون بأحزمة من الستان الأحمر الموشى بالذهب، وعلى رؤوسهم طواقى من القطيفة المخملية، تدور حولها عمامة صغيرة من قماش القطن الرقيق، ويرتدون الكلسون الطويل ذى اللون الأرجوانى الواصل حتى الأقدام، وينتعلون حذاء مدبب الطرف مصنوعا من الجلد الأصفر. وعلى حين قدم اثنان من هؤلاء الخدم فوط من الحرير إلى سيدهم، وجدتهم يجثون أمامي على ركبهم، فيما قدم لنا الاثنان الآخران مشروب القهوة في فناجين البورسلين (الخزف)، مع جلوسهم كذلك على ركبهم، وبعد ثلاثة أرباع الساعة من الزيارة غادرت المكان في رفقة الأغا». 

لقد بدا جلياً أن الترتيبات المتعلقة بتقديم القهوة كانت أهم فى الحقيقة من القهوة فى حد ذاتها كمشروب، وأن النسق المستند إلى هيئة الخدم وملابسهم الخاصة الموشاه بالذهب (وفى حال الجوارى بالمجوهرات) والألوان الرائعة الملفته للنظر، كانت قادرة على خلق انطباع دائم بتميز الوضع الاجتماعى لطبقة العسكر التى شكلت عماد جماعة النخبة القاهرية حتى نهاية القرن الثامن عشر. ومن هنا اكتسب «القهوجى» ومساعدوه فى البيت المملوكى أهمية خاصة، حتى إنه فى الأوقات التى اضطر فيها بعض البكوات، لسبب أو لآخر، إلى مغادرة القاهرة، كانوا يحرصون على الإتيان بالقهوجى وإمداده بأدواته «بكرج وإبريق وآلة قهوة» ليتولى اصطحابهم طوال فترة غربتهم (الاضطرارية)؛ فلم يكن يتصور أن يستغنى عن خدمة «القهوجى» حتى فى أحلك اللحظات العصيبة التى تنقلب فيها كل الحظوظ السياسية للأمير المملوكى. وبصورة قاطعة أكد صاحب «الدرة المصانة» أن القهوجى/ الشرابدار كان عليه أن يصحب سيده فى كل الأوقات: «يركب خلفه فين ما راح». والشىء نفسه داخل نظام الأوجاقات؛ فوفقاً لما نصَّ عليه كتاب «الطريقة والأدب» كان يتعين على «سراج الكتخدا» المسئول عن تنظيم مائدة الطعام وتقديم القهوة، اصطحاب أستاذه الكتخدا إينما سار «إن كان فى الباب أو فى البيت»؛ أى داخل الوجاق بالقلعة أو خارجه.

على أن مسألة اصطحاب الخدم سوف تصبح، فى القرن التاسع عشر، لدى أعيان الطبقة الوسطى القاهرية بمثابة ظاهرة شائعة؛ حيث باتت ترمز لعلو المقام والوجاهة الاجتماعية. وهذه الملاحظة سجلها «ريتشارد بيرتون» الذى لاحظ قيام الأعيان بصورة دائمة باصطحاب العبيد أينما ساروا أو حلوا. لقد كان ذلك ولا غرو مؤشرًا على الحاجة السيكولوجية لتأكيد «الفوارق الظاهرية» فى عيون الآخرين. 

ودارت حياة اجتماعية موازية فى القسم الذى يعرف «بالحريم العالي»، وكانت غالبية سيدات الطبقة العليا، فى العصر العثمانى، يُخصصن يومًا في الأسبوع؛ لاستقبال دائرة واسعة من الصديقات في الحريم. وكانت سيدات هذه الطبقة الراقية يفضلن شراب القهوة، ويجعلنه على رأس قائمة ما يُقدم من مشروبات. ومثلما كان البكوات حريصين على تزويد «المطبخ الرجالى» بالقهوة، كانوا يمدون كذلك «مطبخ الحريم» بكميات كافية من البن، وحتى خلال الأوقات المضطربة والصراعات السياسية التى اضطرتهم أحيانًا للرحيل وترك الحريم فى قصورهن بالقاهرة، لم يهملوا هذا الواجب؛ مما يبين أهمية شرب القهوة لدى الحريم العالى(٢)

وبداهة كان يعمل لدى نساء الطبقة الراقية الخادمات العاملات؛ فوفقًا للعادات لا يتخذ الرجال أبدًا لخدمتهم خدمًا من النساء، وكذلك النساء لا يتخذن لخدمتهن خدمًا من الرجال. وفى الغالب كانت الخادمات من نفس جنس سيدتهن، وكن يتعهدن العناية بأمور الضيافة، وكانت الجارية، المكلفة برعاية «واجب الضيافة»، هى التي تأمر بإعداد القهوة والشربات فى الحريم. وبداهة كان تقسيم أعمال الخدمة واختلاف نسبة عدد الجوارى والإماء من بيت إلى آخر؛ متوقفاً على درجة ثراء صاحب البيت والفئة الاجتماعية التى ينتمى إليها.

نمط خاص لحياة الصفوة

والمعروف أن جماعة النخبة العسكرية، بوصفها طبقة مترفة تملك السلطة والثروة وقوة النفوذ، كانت تقف على رأس السلم الاجتماعى (حتى مشارف القرن التاسع عشر)، ومن هنا كانت طرق حياتها ومستويات القيم عندها هى المعيار الذى يقاس به مركز الفرد فى المجتمع. وكان تشديد الطبقة المملوكية على محاولة قصر امتياز امتلاك العبيد والجوارى والخيول على جماعة النخبة العسكرية، واحدة من الموضوعات التى لطالما أثيرت مرارًا وتكرارًا، لكنها باءت بالفشل، وظلت كل من جماعة العلماء وكبار أعيان التجار تُجاري الطبقة العسكرية فى امتلاك المماليك والخدم بفضل ما احتكموا عليه من ثروات كبيرة، فضلاً عن تداخلهم مع الطبقة العسكرية نفسها فى مصاهرات وعلاقات حميمية وتبادل للمصالح المادية.

وتصبح جماعة الصفوة، من ثم، بأعمدتها الثلاثة (عسكر وتجار وعلماء) معبرة فيما بينها عن طريقة خاصة فى الحياة، كانت ولا شك متقاربة نسبياً فى كثير من الجوانب المظهرية، وذلك بفعل ما أطلق عليه أنتونى غِدِنز «النزوع للتقارب» Compulision of proximity والذى قصد به «وجود حاجة للأفراد إلى التفاعل مع الآخرين ومحاكاتهم فى أوضاع وِجاهية». ولعل ذلك يفسر لماذا كانت طقوس وآداب تقديم القهوة تمثل نمطًا اجتماعياً متقاربًا نسبياً بين جماعة «الصفوة التقليدية» التى دارت حياتها فى الغالب حول البذخ والترف واستعراض الوجاهة أكثر من أى شىء آخر.

وإذًا فإن مسألة توافر فئة الخدم انطوت على كثير من الأهمية فى كشف سلوكيات هذه النخبة فى التعبير عن نفسها ومكانتها وحاجاتها الأساسية والترفية على حد سواء. وليس أدل على ذلك من أنه حتى فى حال عتق الاتباع من الخدم والعبيد، كان سادتهم – فى كثير من الأحيان – لا يستغنون عن استمرارية دورهم فى رعاية الواجبات التى تحفظ لهم الوجاهة وانتظام أمورهم اليومية: فقد لاحظ ريتشارد بيرتون وجود فئة أطلق عليها «الخدم الأحرار»؛ وهم أولئك الذين يلازمون سيدهم، ولا يُكلفون بشىء، بعد عتقهم، سوى قيامهم بإعداد القهوة، وحشو الغليون بالتمباك، ومرافقة سيدهم عند خروجه، وتدليك قدمه عندما يستريح فى القيلولة وذب الذباب عنه. والأمر كذلك ليس قصراً على الرجال: فنساء الطبقة العليا المملوكية كن يحتفظن بعلاقة مشابهة مع السيدات اللاتى كن من قبل إماء لديهن، وبذات التركيبة الوصفية أطلق عليهن إدوارد وليم لين اصطلاح «الخادمات الحرات». وكان الواجب الاعتبارى يُشكل قوة معنوية تلزمهن بمتابعة سيدتهن فى أى أمر تريده. 


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s