مستغلاً الحصار القاري النابوليوني.. محمد علي يتحكم بتوريد الحبوب إلى أوروبا

مستغلاً الحصار القاري النابوليوني.. محمد علي يتحكم بتوريد الحبوب إلى أوروبا

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: قلعة القاهرة – مقر محمد علي – للفنان الأسكتلندي ديفيد روبرتس

تتناول هذه الدراسة – التي تنشر على أجزاء – استثمار محمد علي باشا للقمح إبان أزمة الحصار القاري النابوليوني من أجل تحقيق «الاستقلال بمصر»، ويتوقف الكاتب في هذه المقالة عند مواجهة محمد علي للاحتجاجات الفرنسية واستغلاله للحصار القاري وتوسعة في توريد القمح.


استمر محمد علي باشا بتصدير القمح المصري إلى اﻹنجليز، متجاوزاً فرمانات الباب العالي التي كانت تؤكد على حظر تصديره، وضرورة تخصيصه للعاصمة العثمانية التي كانت تعاني من نقص حاد في مخزون الحبوب، وكان في مكاتباته مع الباب العالي يتحاشى مناقشة مسألة خرق فرمانات الحظر، إلا أنه في المقابل لم ينكر في مناقشاته مع القناصل الفرنسيين مخالفته لفرمانات سيده؛ بل كان حواره معهم مفتوحا ومكشوفا، ومع ذلك لم تُعيه الحيل في تقديم الحجج التي تسوغ موقفه وتبرره. وهو إذا كان يعمل على اﻹفادة من تناقض مصالح القوى الكبرى، ويراعى عدم محاباة مصالح قوة دون أخرى، إﻻ أن قاعدته اﻷساسية – كما صرح للقنصل الفرنسي دروفتي – أن يكون “صديقًا للجميع” L’ami de tous.

وأعرب دروفتي عن تململه من تبريرات الباشا التي يرددها مرار وتكرارا ودون كلل. لكنه لم يكن يستطيع إنكار منطق تفكيره السياسى حين صرح له محمد على: «إننى إن منعت عنهم القمح سيأتون بالقوة ﻷخذه ونهبه من مصر»، فاﻷفضل لمصالحه أن يروضهم ﻻ أن يستعديهم، وأن يستغل شدة حاجاتهم برفع اﻷسعار(من 18 قرشا فى السوق المحلى إلى 100 قرش عند التصدير)، ومن قبل فرض عليهم دفع رسوم تصدير، غالى فى تقديرها، بحيث جعل على كل إردب من الحبوب رسمًا يعادل ثلثي قيمته! ومن ثم فإن سياسته تعمل على توجيه “ضربة شديدة التأثير للمالية اﻹنجليزية”، ثم إنه يطلب من اﻹنجليز، فى مقابل القمح، إمداده بالذخيرة الحربية، ويمكنه أن يستعملها، يوما ما، ضد هذه القوة نفسها إذا حاولت مهاجمة بلاده؛ وإذًا فمن مصلحة فرنسا، التى دائمًا ما تحذره من اﻷطماع اﻹنجليزية فى احتلال مصر، أن يدعم هو قوته الحربية لدرء مثل هذه اﻷطماع؛ وفى ضوء ذلك يتعين أﻻ يُنظر إلى تصديره للحبوب على أنها سياسة ضد المصالح الفرنسية ككل، وإنما تحمل نتائج غير مباشرة وايجابية للجانبين المصري والفرنسى.

تذكير الفرنسيين بعجزهم

على أنه من ناحية أخرى أحال المشكلة على الفرنسيين أنفسهم؛ مذكرًا القنصل الفرنسى بأنه أبدى استعداده من قبل إمدادهم بالحبوب بسعر أقل مما يبيعه للإنجليز بواقع 25 %! إلا أن تجارهم وسفنهم نادراً ما استطاعت أن تصل إلى الإسكندرية؛ وليُبرهن بطريقة عملية أن ليس ثمة قوة بوسعها أن تُملي عليه التحيز ﻷعداء فرنسا ولطالما أعرب القناصل الفرنسيون فى تقاريرهم عن سخريتهم من هذا الموقف؛ لعلمهم أن الباشا لا تخفى عنه حجم الصعوبات التى تحول دون إمكانية توافد السفن الفرنسية إلى ميناء الإسكندرية، وهو ما يعني أنه يُكاشفهم، بصورة غير مباشرة، بقصر أيديهم عن تأمين خطوط الملاحة التجارية الفرنسية بالمتوسط الذى بات بالفعل تحت سيطرة إنجليزية شبه كاملة وملموسة. 

ثم أعلن صراحة بأنه ليس على استعداد للرهان على قوة ﻻ تملك سوى الوعود البعيدة؛ ﻷنه يعتقد بأن عليه أن يفكر فى اللحظة الحالية والتى تليها عن أن يراهن على مستقبل بعيد ﻻ يضمن نتائج تقلباته، وأنه يفهم جيدًا أن استقرار علاقته مع قوة كبيرة، مثل انجلترا، مرتبط ارتباطًا شرطيًا بوجود مصالح متبادلة. وهو يصل فى جدل واقعيته السياسية مع القنصل الفرنسى باﻹسكندرية إلى حد اﻹفضاء بأنه إذا ما انقلب الحظ ضده، واضطرته الظروف العصيبة إلى اﻻستسلام لإحدى القوتين العثمانية أو اﻹنجليزية، فإنه يُؤثر الخضوع للأخيرة؛ ﻷنها – على حد قوله – “ستبقى على حياته وتحفظ له ثروته، على حين ستنزع منه القوات العثمانية الاثنين معاً (حياته وثروته)”. ويزيد دروفتي على ذلك في تحليل علة ميله إلى إيثار اﻹنجليز على الفرنسيين: ”إن الباشا فى الواقع يُؤثر علينا اﻹنجليز أعداءنا؛ ليس لأنه يخشاهم قليلاً فحسب؛ ولكن أيضاً لأنه يجد فى علاقاته معهم ما يشجع ويدعم طموحاته ويرضى شحه”. إن قراءته العملية للواقع السياسي ومراعاته لمصالحه المركانتيلية هي التي حددت بوصلة توجهاته، وهي أيضًا التي مكنته من رسم حدود علاقته باﻹنجليز فى هذه المرحلة. 

ولقد حاولت الخارجية الفرنسية استثارة الباب العالي للتدخل فى إيقاف تجارة الحبوب مع مالطة وإلزام محمد على بالكف عن تجارته مع اﻹنجليز،  كما أرسلت إلى قنصليها باﻹسكندرية والقاهرة، تستحثهما على بذل ما فى وسعهما لتفعيل قوانين الحظر والتصدي لدسائس الإنجليز. لكن هذه الجهود الدبلوماسية لم تسفر عن شىء ذي بال، وظلت مسألة تصدير الحبوب مرهونة – من الناحية الواقعية – بإرادة الباشا أوﻻً وأخيرًا، على حين بدت الظروف الدولية مساعدة له على تهيئة المجال للمضي قدمًا في هذا اﻻتجاه.

تفاقم أزمة الحصار القاري (1812 – 1813) 

وعلى غير توقع، تفاقمت أزمة الحصار واتسع مجال الحروب لتشمل البحر المتوسط والمحيط اﻷطلسي، وتعطلت نتيجة لذلك أهم منافذ توريد القمح، في كل من روسيا والوفيات المتحدة اﻷمريكية: اﻷولى بسبب زحف نابوليون (في 24 يونيو 1812) على موسكو إثر خروجها من النظام القاري؛ والثانية بسبب نشوب الحرب اﻷنجلو- أمريكية في غرب اﻷطلسي. وبدءًا من مايو 1812كان الحصار اﻷمريكي يستهدف ممارسة “حرب تجويع ضد جيوش بريطانيا في شبه جزيرة إيبيريا”. وبات من المحتم اﻹسراع بشراء كميات كبيرة من القمح تسد طلب اﻻستهلاك لأكثر من ستة أشهر، والعمل على إيجاد احتياطات أساسية؛ لأجل مواجهة اﻻحتمالات اﻷسوأ وغير المتوقعة في الحرب اﻷنجلو- أمريكية والتي سوف تستمر حتى عام 1814.

وتمثل هذه التطورات الخلفية الأساسية التي في سياقها نفهم لماذا تكالبت السفن البريطانية واﻹسبانية على ميناء اﻹسكندرية، ولماذا عمل اﻹنجليز على عقد صفقات شراء القمح قبل بدء موسم حصاده، ولماذا ظلت سفنهم داخل ميناء اﻹسكندرية تنتظر شهورا طويلة وصول القمح من مواطن اﻹنتاج بالريف، ولماذا تقبل اﻹنجليز- على مضض – رفع محمد علي لسعر إردب القمح ورسوم تصديره الجمركية بصورة مبالغ فيها، والتي انعكست على ارتفاع سعر القمح بالفعل في كل من صقلية ومالطة وإسبانيا والبرتغال. وقُدِر عائد صادرات محمد علي باشا من القمح – في ذلك الحين – بما يتجاوز العشرين مليون قرش تركى!

قمع الفلاحين وإجبارهم على تسليم كل مخزونهم من القمح

وبقدر ازدياد قوة الطلب على الحبوب وجني المزيد من اﻷرباح، بقدر تزايد نزعة محمد على نحو الحجر على بيع الحبوب في الداخل، وسجل الجبرتي الممارسات العنيفة التي صاحبت جمع الحبوب من الفلاحين، ومنعهم من بيع القمح أو شرائه، بل وإجبارهم على تسليم كل ما كان مخزونًا حتى في دورهم، على أن يُحاسبهم عليه فى العام القادم. وتسبب ذلك فى خلق حالة من السخط والتمرد، لكنه لم يكن مستعدًا للتراجع أو التفاوض مع الفلاحين؛ حتى ﻻ تفوته الفرصة التى درت على خزائنه خمسين ألف كيس من القروش!؛ ومن هنا تعامل بوحشية في إخماده تمرد الفلاحين. وفى هذا التوقيت ذاته نجد دروفتي يؤكد بأن ما كان يُجلب من أمريكا من دقيق القمح إلى كل من موانئ قادش ولشبونة وجبل طارق، صارت اﻹسكندرية هى المورد الرئيس لهذه الموانئ.    

وبذلك مضى محمد على فى سياسته، غير عابئ بقوانين الحظر العثمانية والنابوليونية طالما أنها ضد مصالحه، بيد أنه من ناحية أخرى، كان مدركًا أن استمرار الخط التجاري الملاحي، بين اﻹسكندرية ومالطة، من شأنه أن يُفسد معركة الحصار اﻻقتصادى التى يحاول نابوليون إحكامها ضد انجلترا وحلفائها، ولذلك ظل يتحسب من شن الفرنسيين لحملة جديدة على مصر حتى سقوط نابوليون. 

وإزاء هذا الخطر المحتمل قرر فى عام 1812 تهدئة الموقف مع فرنسا؛ من خلال إثبات جديته فى إمكانية فتح باب التبادلات التجارية معها. وإذا كانت الظروف الفعلية ﻻ تسمح بوصول السفن الفرنسية إلى اﻹسكندرية، فإنه سيبذل قصارى جهده فى التمويه من أجل إرسال بعض الشحنات إلى الجزر الخاضعة للنفوذ الفرنسى بالأرخبيل اليوناني. ونجح بالفعل فى إرسال شحنة إلى جزيرة كورفو.  وأعربت الخارجية الفرنسية عن تقديرها لهذه المبادرة اﻻيجابية، بإرسالها لمحمد علي شحنة من اﻷسلحة فى مقابل القمح، باﻹضافة إلى هدية معتبرة. وآملت أن يرسل إلى كورفو شحنات مماثلة من القمح. والحقيقة أن فرنسا كانت فى حاجة ماسة إلى الحبوب؛ إذ كان محصولها المحلى فى 1812 سيئًا للغاية، حتى لقد اندلعت بعض التمردات والمظاهرات الشعبية فى عدد من المدن الفرنسية وطوال عام 1813 أجرى محمد على، بالالتفاف حول سفن القرصنة اﻹنجليزية، تبادلات تجارية مع فرنسا؛ وذلك عبر ميناىء سالونيك/ تريستا. ومن الواضح أن فرنسا النابوليونية المشغولة بحروبها على جبهات متعددة فى أوروبا، قد اضطرت إلى مجاراة محمد علي، وقبول الحد اﻷدنى من تبادلاته التجارية، وأن تغض الطرف عن سياسته التجارية، وتجاهله لبنود اﻻمتيازات التجارية.

التوسع في توريد القمح

واللافت للنظر فى هذه المرحلة أن محمد على الذى ألمَّ بشكل جيد بالتفاصيل المعقدة ﻷزمة الحصار القاري، وما تبعها من اتساع للمجال الجغرافى للحرب بين القوى الكبرى، لم يكتف بانتظار مجىء السفن اﻷوروبية إليه، بل سارع باتخاذ خطوة أكثر أهمية، جعلته على دراية دقيقة بتطورات الصراع ونتائج الحروب وآثارها المباشرة على اتساع قوة الطلب على الحبوب فى غرب البحر المتوسط أو انكماشها، حتى يتمكن من تحديد الخط البياني لسعر بيع القمح بما يتناسب مع واقع الأزمة قوة وضعفًا، ومن ثم يستفيد من المضاربات المركانتيلية حول هذه السلعة اﻻستراتيجية التى لعبت دورًا مؤثرًا زمن الحرب والحصار.

وفى سبيل تحقيق ذلك اتخذ إجراءين هامين: اﻷول، شراؤه مجموعة من السفن، والتى مكنته من إرسال حبوبه إلى الموانئ اﻷوروبية تحت الحماية اﻹنجليزية. وبالفعل وصلت أول ثلاث سفن تابعة له بالحبوب إلى مالطة فى أغسطس 1812، مصحوبة بطراد وبريك حربي لحمايتها من القرصنة. وتمثل اﻹجراء الثانى فى اتجاهه إلى إنشاء مؤسسة تجارية فى مالطة نفسها، عيَّن بها وكلاء تابعين له، يقومون بترويج مبيعات القمح وتسويقه بعد دراسة أحوال السوق وقوة الطلب، وبذلك ضمن بيع قمحه بالشروط المناسبة لتطورات اﻷزمة، كما تولت هذه المؤسسة تبادل القمح بالمنتجات الصناعية اﻷوروبية والذخيرة الحربية التى كانت تحتاج إليها مصر. وتوقع سان مارسيل منذ البداية أن تؤدى هذه الخطوة إلى التأثير السلبي على المصالح اﻷجنبية، وبلغ تشاؤمه إلى حد القطع “بأن الصفقات التجارية التى تجرى لحساب الباشا لن تدع أى مؤسسة أوروبية تزدهر فى هذا البلد”. 

وبنهاية صيف 1813 بلغت تجارة الحبوب بين اﻹسكندرية ومالطة حدها الأقصى من الرواج وجني اﻷرباح ، وكان بوسع مراقب دءوب مثل دروفتي أن يجزم بأن ما جناه محمد على من أرباح، قد جعلته ليس قادرًا فحسب على تغطية نفقات إدارته، والتكلفة الضخمة لتسليح جيشه، واﻹنفاق على قصره، وإرسال الهدايا المعتادة إلى استانبول، وغير ذلك من النفقات اﻻستثنائية، بل وصار باستطاعته أيضًا أن يدخر فائضًا ماليًا معتبرًا، يمكنه من مواجهة تقلبات حظه السياسى فى المستقبل. ولهذا وصفه دروفتي فى تلك اللحظة بأنه “أغنى باشاوات اﻹمبراطورية العثمانية”. بيد أن هزائم نابوليون المتتالية وضعت نهاية حقيقية لاستمرارية رواج تلك التجارة.  


في المقال القادم يتوقف الكاتب عند سقوط النظام القارى وانخفاض الطلب على القمح المصري 


المقالات السابقة


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s