أوليا جلبي وصياغة أسطورة الفتح العثماني «المقدس» لمصر

أوليا جلبي وصياغة أسطورة الفتح العثماني «المقدس» لمصر

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان السويسري يوهان جاكوب فراي

طرح أوليا جلبي في كتابه “سياحتنامة مصر” إشكالية الغزو العثماني لمصر وشحذ ذهنه لمعالجة هذه القضية الشائكة رغم إدراكه لصعوبة قبول فكرة غزو دولة إسلامية لدولة إسلامية أخرى – كما ذكرنا في المقالة السابقة – كما  وهو ما جعل كتابه يتجاوز وظيفة الوصف إلى مناقشة القضايا السياسية، وهنا جانب حقيقة سير الوقائع التاريخية، ليستبدل بها قصص ورؤى أحلام منسوجة من الخيال الشعبي العثماني، وهذا المنهج الذي اتبعه أدى إلى إذابة الحدث التاريخي في خضم اختلاق مرويات شعبية متتالية، زج بها في متون كتابه، وبداهة جاء ذلك على حساب تخفيض درجة اعتماده على وقائع التاريخ التي لا تشكل في هذه الحال سوى إطاراً يكتنز داخله سيرورة “الحكي الشعبي”، فتبدو هذه المرويات المتناثرة بطول المجلد وكأنها جزءاً من سياق تاريخي: ودون الدخول فى تفاصيل تلك المرويات، نعرج على مضمونها المحوري فحسب، وبما يساعدنا على استجلاء دلالاتها فى تفسير المنظور العثماني لقراءة قصة فتح مصر.

من أجل تبرير احتلالهم لمصر أنشأ العثمانيون مرويات شعبية جعلت النبي جزءاً من مكوناتها لإكسابها التأثير المطلوب، منها أن السلطان سليم الأول أخذ العهد والبشارة من النبي بفتح مصر

لكن اللافت للنظر هنا في هذه المرويات الشعبية (المحكية أو المتخيلة) أنها جعلت النبي جزءاً من مكوناتها لإكسابها الوقع التأثيري على المتلقين لها من العوام، ومن ناحية أخرى إلحاحها على تأكيد فعل ومشيئة الإرادة الإلهية في نقل السلطة إلى آل عثمان؛

يمكننا في الحقيقة تخير ثلاثة مشاهد أساسية ذات مغزى، الأول منها: يتعلق بـ  قصة أخذ العهد والبشارة من النبي بفتح مصر”؛ والحكاية هنا تأخذنا مع تخفي السلطان سليم الأول حين قرر زيارة الحرمين الشريفين، قبل غزوه لمصر مباشرة، وقيامه بزيارة المسجد النبوي، ووقوفه أمام قبر الرسول، باكياً منتحباً على الحال التي وصلت إليها مكة والمدينة، ومبدياً أسفه على ضعف العناية بما أسماه “الناموس المحمدي” ـ، وأنه أخذ على نفسه عهداً وموثقاً أمام قبر الرسول، لئن بارك له فتح مصر، ليوقفن كامل أراضيها على الحرمين الشريفين، وليرسلن الأموال والكساوى والعطايا، وليعملن على إعلاء شأن هذا الناموس النبوي، وانقاذه من إهمال “الكفرة الجراكسة”!. وبحسب رواية القصة جاءته البشارة مرتين قبل أن يغادر المشهد النبوي، الأولى من شيخ مسن كان جالساً تحت شباك قبر النبي، استبشره بالنصر، والثانية مثلها صوت جاءه من بعيد، رج آذانه، يأذن له بالذهاب إلى مصر حيث وعده النبي بالنصر المبين. بدا ذلك في القصة (الشعبية) بمثابة “ميثاق عهد ومباركة مقدسة للفتح”.

اما القصة الشعبية الثانية، فهى “قصة كرتباي الفدائي” الذي حاول الانتقام من سليم الأول بالتسلل إلى “قصر أم القياس” بجزيرة النيل، الذي اختاره السلطان سليم كمقر له إبان استيلائه على مصر، وتمكن البطل الشعبي (المملوكي) “كرتباي” من اقتحام غرفة نوم السلطان سليم؛ حيث أقدم على قتله. ومغزى القصة يبدأ بعيد فشل الأمير المملوكي كرتباي والقبض عليه: إذ يتم نسج حوار بين السلطان سليم والأمير كرتباي، يدفع أوليا جلبى الأخير (الأمير كرتباي) للإفصاح، على لسانه، عن الجزء الأهم من وجهة نظر المماليك: “لقد هجمت [يا سليم] على ولايتنا، وسطوت على بلادنا، واستوليت على أهلنا وعيالنا، بعد قتل ألاف من عباد الله، وتشتيت ألوف ومئات آخرين.. واغتصاب الأملاك والأموال، ومنحتها الأجانب، والأدهى حُرمت من صحبة ولى النعم طومانباي الملك الشجاع”. وهنا يدخل النبي كجزء أساسي في سردية الحكاية الشعبية: فكرتباي استئذن “الحضرة النبوية” في قتل سليم، لكن الرسول – وهذا هو المغزى – أعطى الإشارة لكرتباي بأن المولى عز وجل رضى عن آل عثمان، – والكلام على لسان النبي – “لقد اقتضت حكمته البالغة زوال دولة الجراكسة، وقيام دولة آل عثمان، لذلك صار سليماً في حمايتي وحراستي فلا تتعرض له ولا تؤذه أبداً“. ويتخذ أوليا جلبي من ثبوت فشل الفارس المملوكي كرتباي المشهور بقوته وجراءته في القتال، دليلاً على صحة حماية النبي لسليم ونجاح قيام دولة آل عثمان بإرادة إلاهية بحتة. 

وتأتي القصة الثالثة والأخيرة في شكل رؤية / حلم، رواه أحد السلاطين العثمانيين للعلماء ومشايخ الإسلام، اهتم أوليا جلبي بذكر تفاصيل هذا الحلم، والتعامل معه كرؤية حقيقية بدعوى تجلى النبي نفسه فيه كـ “قاضى” يفصل بين خصومة المماليك لآل عثمان، بسبب نقلهم لأثر قدم النبي إلى إستانبول. جمع الحلم / الرؤية بين سلطانين، واحد مملوكي والآخر عثماني، وفى المشهد ظهر المؤيدون (السلاطين القدامى) في كل جانب، ومع افتعال حوار أقرب إلى المناظرة، بدأت الأفكار والتصورات ذات الطبيعة المتناقضة تظهر فوق السطح: الطرف الأول (المماليك) يتصدى بصورة غير مباشرة لفكرة الغزو وتبعاتها الدرامية، وما تسببت فيه من ترويع الآمنين، وتخريب الأوقاف وضم حصيلتها إلى مال الدولة؛ ومن ثم طالبوا النبي بإزالة آل عثمان عن ملك مصر، فيما يرد الطرف الثاني (آل عثمان) مدافعاً عن نفسه، بأنه نشر العمران وأن خراب الأوقاف من جراء أثر الزمن وتقلب الأيام، وأن سلاطين آل عثمان قائمون على خدمة الحرمين الشريفين، ويتحرون تحقيق العدالة، هنالك يقضي النبي، وقد استمع إلى حجة الطرفين، برد “أثر قدمه” إلى جامع قايتباي، والقطع ببقاء ملك مصر – بإرادة الله – بين يدى آل عثمان “حتى قيام أشراط الساعة“!

الغزو كـ «مهمة مقدسة»

ومن الواضح هنا أن خلق أسطورة “الفتح العثماني المقدس” استندت في الأساس إلى إثارة ثنائية (العدالة / الاستبداد، العمران / والخراب)؛ لتفسير عملية الانتقال الحاسم في السلطة، وليس فحسب في زمن العثمانيين، وإنما كذلك فيمن تداولوا حكم مصر على مدار القرون والعصور. لكن اللافت للنظر هنا في هذه المرويات الشعبية (المحكية أو المتخيلة) أنها جعلت النبي جزءاً من مكوناتها لإكسابها الوقع التأثيري على المتلقين لها من العوام، ومن ناحية أخرى إلحاحها على تأكيد فعل ومشيئة الإرادة الإلهية في نقل السلطة إلى آل عثمان؛ ومن ثم فالقصدية واضحة جلية وهي نفي دخول العثمانيين لمصر لغرض سياسي أو توسعي أو حتى لممارسة الهيمنة على المشرق العربي؛ وأنهم إنما جاءوا استجابة لـ “مهمة مقدسة”، كلفوا بها ولم يسعوا إليها. وبهذه الطريق، لا ينجح أوليا جلبي فحسب في تفنيد “القضية المملوكية” وتفريغها من مضمونها، وإنما كذلك وهو الأهم في إضفاء الشرعية على “الغزو”؛ واعتباره “ضرورة شرعية” كذلك لحماية مصر من المد الشيعي الذي يصوره أوليا جلبي على أنه كان مهدداً لمصر وأهلها؛ بعد ميل المماليك إلى التحالف السياسي مع الصفويين (الشيعة) والذي لم يتم من الناحية الواقعية، وهذا يفسر لماذا ألح على ذهنية أوليا جلبي رفض “الآخر المملوكي”، ووصفه بالرافضة / “الروافض الفاسدين” تارة، و”بالكفرة الجراكسة الملعونين” تارة أخرى. 

ويلاحظ أن قضية “شرعية الغزو” تظل تشتغل النص؛ فعبر سياقات مختلفة، وفى مواضع متعددة من الكتاب، يتعرض أوليا جلبي لهذه القضية الشائكة من جديد، وفى كل مرة نجده يقدم مبرراً إضافياً، بصرف النظر عن نسبة التزامه ومسايرته للواقع التاريخي أو بلجوئه أحياناً إلى التحايل على اختلاق أحداث ما والمبالغة في تفسيرها، وهو ما يؤسس ما يعرف بـ “ثقافة الفاتحين”، التي تعطى لنفسها حق التميز والحكم على الآخرين من موقع “الأنا المنتصرة”: فمثلاً لا نجد في مصادر تلك الفترة أي إشارة إلى اتخاذ بعض المصريين قرار الجلاء عن وطنهم (إلى استانبول)؛ بسبب ممارسات مشينة تجسد ما سماه أوليا جلبي بـ”الظلم المملوكي المتواصل” أو حتى لأى أسباب أخرى؛ بل على النقيض من ذلك، حين تم في الحادثة الشهيرة، إلزام مجموعات كبيرة من كبار الشيوخ والعلماء، ونواب القضاة المخضرمين، وأسطوات الحرف والصناع من كل فئة (ناهزت في جملتها الألف نفر)، بالتوجه قسراً إلى استانبول، وقد بَيَّن مراقب حاذق كابن إياس المعاصر لتلك الأحداث، أنها مثلت أبلغ مأساة مر بها المصريون على مدار تاريخهم، وكتب يقول: “لم يقاس أهل مصر شدة من قديم الزمان أعظم من هذه الشدة، ولا سمعت في التواريخ القديمة.. ففارقت الناس أوطانها وأولادها وأهاليها، وتغَّربوا من بلدهم إلى بلد لم يطؤوها قط، وخالطوا أقواماً غير جنسهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم”؛ بل والأكثر دلالة من ذلك أن المصريين نظروا إلى القرار على أنه قرار “أسر/ونفي”، وأطلق عليهم ابن إياس نفسه “الأسراء المصريين”! ومغزاها بالغ الدلالة على ارتباط الناس ببلادها. والمعروف في وقائع الدهور لأبن اياس، أن كثيرين منهم ناضل من أجل العودة، ومنهم من أعياه طول المسافة ومات على قارعة الطريق، ومنهم من تمكن من العودة هرباً، وظلت هذه حالهم على مدار ست سنوات، إلى أن سمح لهم السلطان سليمان بالعودة إلى القاهرة، وهو ما اعتبره الأهالي من أعظم محاسنه وعدله! 

اختلاق حجج شرعية لاحتلال مصر

علاوة إلى ذلك لا نجد ما يدعم صحة ما ذهب إليه أوليا جلبي من أن رجال الدين وعلماء المصريين استنجدوا بالسلطان سليم، وكانوا يحثونه على الإسراع إليهم لتحقيق “الخلاص” من حكم المماليك؛ ولا توجد قرائن تاريخية أيضاً لما أشار إليه بأن هؤلاء العلماء أرسلوا إلى إستانبول 40 فتوى تجيز للسلطان سليم “إباحة قتل حكام مصر”! فالثابت في المصادر التاريخية أن العلماء والشيوخ لم يكونوا بعيدين عن المشهد على الإطلاق، وإنما كانوا في قلب تطور الأحداث التي مستهم بدرجة ملحوظة، فهم يسارعون في اصطحاب السلطان الغوري وعسكر المماليك عند خروجهم لملاقاة العثمانيين في الشام لأجل شد أزر الجند في الدفاع عن كيان الدولة / السلطنة، وحتى من بقوا منهم داخل مصر، اهتم بلعب الدور نفسه في تقوية الجبهة الداخلية، وتوثيق تكاتف القوى المملوكية التي هزتها الهزيمة، في سبيل جمع كلمتهم على قلب رجل واحد ومؤازرتهم في مواجهة القوة العثمانية الزاحفة على مصر بعيد هزيمة مرج دابق. 

وتظل المسألة الأبرز متمثلة في اتجاه أوليا جلبي إلى تفسير ميل المماليك إلى الصفويين، من منظور ديني لا سياسي، كيما يغض الطرف عن خطورة اللحظة الفارقة في تاريخ الشرق الاوسط إبان تحقق الاجتياح العثماني المرتقب للمنطقة، ومن ثم راح يصور الاتصالات الجارية بين الصفويين والمماليك، على لسان العلماء المصريين، على أنها خروج مارق على شريعة أهل السنة، وهنا يرصد نص فتوى حاول أن يدعم بها هذه النتيجة (المتخيلة)؛ كي يقنع قارئه بسلامة الموقف الذي قاد العثمانيين إلى اتخاذ قرار الحرب، وذلك بالنظر إلى أنهم حماة وممثلين للإسلام السنى. ويشير نص هذه فتوى، التي لم نستطع الوقوف على صحتها في المصادر التاريخية المعاصرة، إلى أن “ولاية السلطان الغوري جائرة وخلعه فرض عين؛ إذ هو داخل بعمله هذا (التحالف مع الصفويين) في مذهب الرافضة (الشيعة)، فيجب نهب إقليمه وولايته وهدر دماء تابعيه، يقتلون ولا يؤسرون، ونساؤهم حرام علينا لا يتخذن جواري وإماء، ويجب الزحف إليهم ونزع البلاد منهم“. وغير خاف المغزى هنا من صياغة مثل هذه الفتوى بهذا المضمون، إذ تصطنع “حجة شرعية”؛ لإسقاط الامبراطورية المملوكية وإرث أملاكها في بلاد المشرق العربي! 

صوت في البرية ينادي: يا سليم تعال!

وخلافاً لمسألة الفتوى، دعم أوليا جلبي قصة الفتح بمرويات شعبية أخرى كانت شائعة في البلاط العثماني حول قرار السلطان سليم بالتوجه إلى مصر، ومنها رواية “الكشف الصمداني”التي تُحاك على غرار قصة حادثة “سارية الجبل” التراثية؛ وتتمثل هنا في صورة نداء استغاثة من كبار العلماء، كالشيخ أبو السعود الجارحي والشيخ مرزوق الكفافي، المشهورين بقامتهما العلمية، وبعلو منزلتهما لدى الحضرة السلطانية، يطلقان النداء، من مسافات بعيدة وهما خارج إستانبول: “يا سليم تعال.. يا سليم تعال”؛ لإنقاذ مصر وعلماءها الذين طلبوا الاستغاثة. وتظهر الرواية الشعبية أن نداء الاستغاثة سمعه – عبر الآفاق ومن مسافات بعيدة – كل من السلطان سليم وقائد جيشه سنان باشا، فاعتبرت نبوءة حاسمة، فقام السلطان سليم من فوره يصرخ على جنوده “عجلوا بالزحف إلى مصر”. 

وهكذا رسمت ريشة أوليا جلبي من المرويات الشعبية ملامح صورة تظهر “قرار الغزو” مشفوعاً بإرادة ربانية تجلت في الشواهد المحكية المختلفة، وأن السلطان سليم لم يكن سوى منفذاً لتلك الإرادة العليا التي قررت إنهاء عصر سلطنة المماليك، ليبدأ عصر جديد مع الزمن العثماني المبشر – وفقاً لهذا المنظور – بالحرية والعدل والسعادة.



صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s