العقاد.. التفكير في حقائق الوجود طريق الوصول إلى الله

العقاد.. التفكير في حقائق الوجود طريق الوصول إلى الله

جولييت المصري

اللوحة: الفنان المغربي عبد الله الحريري

من أهمِّ أدباء القرن العشرين الذين عشقوا القراءة، وسعوا عصاميين خلف العلم لينهلوا من مناهله ما يستطيعون، ولد لعائلةٍ بسيطةٍ غير ميسورة الحال؛ فلم يستطع أن يحصل إلا على التَّعليم الابتدائي، لكنَّه اختطَّ لنفسه طريقًا يختلف عن طريق أترابه في قريته النائية في مدينة أسوان، فعكف على القراءة حتَّى استطاع أن يجعل من نفسه موسوعةً علميَّةً ، وأن يكون صاحب رؤية وثقافة تميزه بين مفكري عصره، تعلَّم اللغة الإنجليزية لاختلاطه الدائم بالأجانب والسائحين الذين كانوا يأتون إلى أسوان مما جعله يتطلع إلى ثقافة الغرب ويقدرها، وترجمت مؤلفاته التي تربو على المئة للعديد من اللغات مثل الألمانية والروسية والفارسية، إنه الكاتب والمفكر المصري عباس محمود العقاد.

ونحن اليوم عزيزي القارئ يحلو لنا أن نورد لك هنا بعضا من مقولاته للتعرف على بعض من جوانب فكره ورؤاه في الحياة:

يقول في القراءة:

” لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، فالقراءة وحدها هي التي تُعطي الإنسان أكثر من حياة؛ لأنها تزيد هذه الحياة عمقاً، نحن نقرأ لنبتعد عن نقطة الجهل، لا لنصل الى نقطة العلم، وليس هناك كتابا أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، حتى الكتاب التافه تعلمت منه ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون؟

تعلمت أن الكتاب طعام الفكـر، وكتابا مهما تقرأه ثلاث مرات أنفع من ثلاثة كتب تقرأ كلا منها مرة واحدة، والكتاب الذي لا يجد فيه أحدٌ ما يخالفه، غير حقيق بأن يُقرأ، إن الكتب مثل الناس فيهم السيد الوقور وفيهم الكيس الظريف وفيهم الجميل الرائع وفيهم الساذج الصادق وفيهم الأديب والمخطئ والخائن والجاهل والوضيع والخليع”

وفي الفكر يقول:

“الأسلوب الذي يخرج من الفطرة المستقيمة، هو أسلوب عصري في جميع العصور، كم من كلمات على ألسنة الناس بلا معنى وكم من معان في أفكارهم بلا كلمات؟

فكرتك أنت فكرة واحدة.. شعورك أنت شعور واحد.. خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك، ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعوراً آخر، أو لاقيت بخيالك خيال غيرك؛ فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين.. كلا.. وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق والامتداد.

إن التفكير في حقائق الوجود هو طريق الوصول إلى الله، ولا طريق غيره للحواس ولا للعقل ولا للبديهة، ليس من روح الاسلام أن يجمد المؤمن على عادة موروثة لأنها عادة موروثة، وليس من روحه أن يرفض عادة جديدة لأنها عادة جديدة، وحين يكون العمل بالعقل أمرا من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله مرضاة لمخلوق مثله، أو خوفا منه، و لو كان هذا المخلوق جمهرة من الخلق تحيط بالجماعات و تتعاقب مع الأجيال، وحيثما غلبت الحيرة والقلق في العالم فهنالك امر واحد كن منه على اتم يقين، كن على يقين ان العالم يبحث عن عقيدة روحية”

وقال في الحب:

لا نحب حين نختار، ولا نختار حين نحب، والصادقون في عواطفهم لا يبالون بالمظاهر، فإذا ميز الرجل المرأة بين جميع النساء؛ فذلك هو الحب.. إذا أصبح النساء جميعاً لا يغنين الرجل ما تغنيه امرأة واحدة؛ فذلك هو الحب.. إذا ميز الرجل المرأة لا لأنها أجمل النساء، ولا لأنها أذكى النساء، ولا لأنها أوفى النساء، ولا لأنها أولى النساء بالحب، ولكن لأنها هي هي، بمحاسنها وعيوبها؛ فذلك هو الحب.

الرجل يعشق الأنثى في مبدأ الأمر لأنها امرأة بعينها: امرأة بصفاتها الشخصية وخلالها التي تتميز بها بين سائر النساء، ولكنه إذا أوغل في عشقها وانغمس فيه؛ أحبها لأنها المرأة كلها، أو المرأة التي تتمثل فيها الأنوثة بحذافيرها وتجتمع فيها صفات حواء وجميع بناتها، فهي تثير فيه كل ما تثيره الأنوثة من شعور الحياة. وأي شعور هو بعيد من نفس الأنسان في هذه الحالة؟ 

إن الأنوثة لتثير فيه شعور القوة، وشعور الجمال، وشعور اللذة، وشعور الألم، وشعور الجموح والانطلاق من قيود المنطق والحكمة، وشعور الإنسان كله، وشعور الحيوان كله، بل تثير فيه حتى الشعور بما وراء الطبيعة من أسرار مرهوبة، ومن أغوار لا يسبر مداها في النور والظلام؛ لأن المرأة حين تمثل الأنوثة هي مناط الخلق والتكوين، وأداة التوليد والدوام والخلود، وهي مظهر القوة التي بيديها كل شيء في الوجود وكل شيء في الإنسان.”

اترك رد