مداهمات

مداهمات

اللوحة: الفنان الفلمنكي ديفيد تينيرز الأصغر

“ماكس” و”موريتز” قردان عنيدان، متحرران من قيود الرعاية حد القرف، كالعادة يثيران الكثير من الضجيج والشغب، كثيرا الحركة، يزجيان الوقت في التدمير وتعكير المزاج العام، يركضان في كل اتجاه، بخطى متسارعة وعشوائية تبعث على القلق، كأنما يعتمدان قياس المسافة ما بين حدث جنوني وآخر لا يحتمل، بلا تريث أو تأنيب عابر للضمير، تتوالى فصول المهزلة على خشبة مسرح متربع في الفضاء المفتوح، يعبران مع كل محاولة جديدة عن وجودهما عبر مشاهد الفوضى الجارحة.

الأماكن تفقد الحميمية، وكسمّ الخياط بدأ يضيق أهالي الحي ذرعا بهما، لكن “سلطان” المالك أمرهما – للأسف – لم يستجب للمزيد من استغاثات جيرانه، يصم سمعه أو يتصامم عن سماع الشكاوى الوافدة عليه، يتوه الزمن في اتجاهات شتى دون أن تلوح بارقة تبشر بإمكانية الحد من عبثهما الخارج عن نطاق السيطرة. 

استطال عنفوان عبثهما، تناوبا على اختلاق الأزمات طلبا للسعادة العابرة، لم يكن ثمة رادعا يكبح جماح الطيش المتطاير شرره عن هذين العابثين، ذات مساء خريفي أرعن، قررا مداهمة أحد المصارف النقدية الكبرى، شرعا يعبثان بمجموعة من الرزم النقدية، يمزقان الأوراق المالية شر ممزق، ويتراشقان خفافا وثقالا ببقية الرزم النقدية الأخرى ذات اليمين وذات الشمال، لم يكترثا بإحساس صاحب المصرف أو بمشاعر أصحاب الأموال المودعة، ظلا سادرين في جنونهما حتى استقر “موريتز” على رأس صاحب المصرف الذي كان يضحك أسوة بالآخرين للمصاب الكارثي الذي أودى على بقية أحلامه. 

في غيه مستمرا كان “موريتز”، يطوح بذراعيه في الهواء، كأنه ساذج أبله يقهقه بلا أدنى إحساس بالخجل أو سبب يدعوه للمزيد، بعد الجولة الأخيرة من مسرحية هازلة، وعديمة الجدوى كان الصبر حينها قد مل من صبره، وبسرعة خاطفة أسرع “سلطان” للتخلي عن خدمات قرديه، قالبا ظهر المجن لهما، بعد مناورات مكثفة، نفذها الأهالي لإجباره على القيام بتركهما والتخلي عنهما.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد