مكاشفات – للفرنسية ماري ندياي

مكاشفات – للفرنسية ماري ندياي

اللوحة: الفنانة الأميركية كريستين كامبريا

ترجمة: صالح الرزوق

مشت هذه المرأة وابنها على طول الطريق من بيتهما إلى موقف الحافلة، وبسبب هطول المطر لشهرين بدون توقف، إذ لم يمر حتى صباح واحد، أو عدة ساعات في الليل من غير هطول، أصبح الطريق ممشى موحلا بين الحقول المحروثة. لاحظ الابن بين حين وآخر أنه لا يمكنك أن تميز الحقل من الطريق بعد الآن، لذلك شرحت له المرأة بصبر أن الحقول بنية داكنة، وتقريبا سوداء، باستثناء بعض البرك الراكدة واللماعة في الزوايا، بينما الطريق المغمور بالماء لا يزال رماديا وخامدا. هز رأسه كأنه اكتفى تماما بهذا الجواب. تابعا المسير بصمت لعدة دقائق، ثم قال الصبي ثانية، كأنه اكتشف شيئا صادما: “لا يسعني التمييز بين الحقل والطريق، ألا تلاحظين ذلك”. غمرت المرأة الدهشة الممزوجة بالألم لأنه يكرر نفس الأفكار التافهة بنفس الاهتمام والتركيز، ولكنها أجابته بنعومة وصبر وبعد أن انفصلت عن نفسها، وتوقفت عن الإصغاء لصوتها الداخلي. حرك الابن رأسه بنشاط، وتغضن جبينه من التركيز، وبدت كلمات المرأة عبثية وغامضة وبليدة تماما. ثم فجأة أرادت أن تضحك بصوت مرتفع على كليهما، وعلى ثرثرتهما الجوفاء، لكنها لم تفعل، وحتى أنها لم تبتسم، فهي تعلم أن الابن بعيد الآن عن إدراك المفارقة الساخرة أو الإحساس بها. تلك الفكرة تركتها حائرة حتى قال ابنها ثانية: “أليس من المضحك… أن لا تميز بين..” والتفت إليها بحثا عن تفسير، لكن غطى تحسسها وتعبها على أحزانها لبعض الوقت، وبدأت تتكلم بحذر وبصوت وتعبير يتماشيان مع ما تعتقد أنها تعرف الشيء الذي انكسر في داخله، هذا الشيء الذي تحطم وانكسر.  أحيانا تفكر: أنه لا يحتمل. وتضيف أيضا: بمقدار ما هو مختل هو غبي، غبي لدرجة منفرة. وغضبت من هذه الحقيقة. فهذا الولد ليس فظا. واستعداده للبذاءة تراجع مع ازدياد نفور أمه العدائي. وأدركت أن يأسها وسخطها لا يغذيهما شيء غير تلاشي تلك العواطف المضطردة عند الابن. كلا. هذا الابن ليس فظا. يا إلهي. كان الاثنان يعزمان على ركوب الحافلة إلى روان، وكان المطر أخيرا قد توقف عن الهطول، غير أن المرأة في تلك الأمسية ستعود وحدها إلى كورنيفل. وستستقل حافلة العودة بالاتجاه الآخر، دون أن يكون الابن معها، وربما هو يعلم ذلك، ولعله لا يعلم، والآن تأخر الوقت جدا للتأكد. وقد يرفض جملة وتفصيلا أن يركب الحافلة، وتصورته المرأة واقفا بمكانه على جانب الطريق، وهو يهز رأسه بهدوء ويكرر بثبات ينخر به الشك: يا لها من فكرة، يا أمي، يا لها من فكرة. وصلا إلى نهاية الطريق، واقتربا من لافتة موقف الحافلات، الموجودة على شريط معشب بين الحقول والطريق السريع. كانت اللافتة مائلة ويأكلها الصدأ. وأمكنها أن تقرأ عليها اسم كورنيفل: هل بمقدور ابنها أن يفعل الشيء نفسه؟ أرادت أن تجلده بصوتها القاسي: وماذا تعتقد؟ هل تعتقد أنك ستعود إلى البيت معي الليلة؟ هل تعتقد أنك ستعود إلى البيت في أحد الأيام؟. صحت السماء فجأة، وبنفس اللحظة توقفت الحافلة أمامهما – فكرت المرأة: الوقوف في فيضان من ضوء الشمس لا يترك شيئا للتنبؤ. منذ فترة بعيدة غابت الأشعة من الجو، لذلك آلمتها عيناها. طرفت بعينيها، وغضنت وجهها. بقربها رفع الابن رأسه وابتسم ابتسامة عريضة. ثم دمدم: “ماما. آه يا ماما. أليس هذا شيء غريب”.  ودائما حينما يفتح فمه، تشعر بالسخط بدون أي سبب. كان عليها أن تضبط نفسها من الرد العنيف قائلة: هل تعتقد أن على وجه هذه الأرض أي شيء غريب أكثر منك؟. وعوضا عن ذلك دفعته دفعة محرومة من الرقة نحو باب الحافلة، والذي فتح للتو كأنه إنسان يتنهد بعمق وتعب. لم يظهر هذا الابن أي شكل من أشكال الحزن لأنه يتلقى معاملة أقل بقليل من أي كلب في البيت. لم تكن المرأة تعي أنها تغتنم هذا الظرف، فترفع صوتها عليه، وتدفعه جانبا دون حاجة لهذا التصرف، ولكنها تتألم حين تراه لا يهتم لهذه الإهانات اليسيرة، ولأنه محروم من الإحساس بكرامته، ثم تحاول بكل جهدها، وهي تعلم جيدا عبثية ذلك، أن تحرضه ليبدي أقل نوبة حنق مؤقت. همست تطلب من السائق تذكرة واحدة للذهاب والإياب، وتذكرة بدون عودة. 

نعم. كانت تود أن يعترض. وفكرت بمرارة، ليته يعترض ولكن ليس على هذا الموضوع.

تقدم الابن من الممر الضيق بين صفوف المقاعد، ولمحه السائق. توقف عن النظر بالمرآة ونظر إلى وجهه، ثم إلى ظهره، كانت عيناه   الشاحبتان والصغيرتان تمتلئان فجأة بالتساؤل، ولاحظت أنه مسحور بإعجاب واضح لا يمكن إخفاؤه.  وحينما جلس في وسط الحافلة، بجانب الممر، ومدد ساقيه الطويلتين، تابع السائق التحديق به من خلال المرآة الصغيرة، مع ابتسامة تفهم على شفتيه. لم يكن السائق شابا. أما المرأة التي قبضت على نقودها فقد انتظرت أن يبادر السائق بتقديم التذكرتين. أخيرا هز رأسه، كأنه يريد أن يوقظ نفسه. ثم التفت نحوها ونظرته لا تزال محجبة بسعادة سطحية وباهتة.  ومع مرور الوقت وتقدم الحافلة على الطريق عبر الحقول في إضاءة ساطعة ومفاجئة، لاحظت المرأة أن بقية الركاب يسترقون النظر كثيرا من الابن، وكانت الغبطة تنضح من وجوههم.  ولكن الابن، هذا الابن المسبب لمشاكل لا تنتهي، كان غافلا عن ذلك.  صبغ وجهها لون وردي، يتخلله الذنب وعدم الفهم. وتسترت على ذلك بالنظر من النافذة. ثم أخبرت نفسها أنها في هذه الحافلة كما لو أنها في قلب بلد غريب تماما، وأنها عاجزة عن تفسير التفاتات من حولها. ومع ذلك كانت الوجوه من أنماط تعرفها جيدا: نساء حكيمات وعجائز بمعاطف مطر لها لون البيج، ومزارع بنظارة عدساتها مدخنة، وصغار مراهقون في طريقهم من المدرسة إلى البيت، وامرأة تشبهها بكل التفاصيل. ولكن لماذا يحدقون جميعا بابنها؟. ولماذا كانت التفاتاتهم البسيطة نحو ابنها البريء والوحيد تضفي على وجوههم نور الغبطة. لم تفهم ذلك. فهم لا يعلمون: أنه لا توجد طريقة لتتعايش بها مع ابن مثل ابنها، ثم فكرت أن هذا واضح تماما وتلقائيا، وعلى الناس أن يفعلوا ما بمقدورهم ليتجنبوا النظر نحوه. جعلتها حرارة وزمجرة الحافلة تشعر بالنعاس. ومع استمرار الرحلة، لم يكن أمامها أي شيء يمكن أن تفكر به وتعزم عليه. وأمكنها على نحو ما أن ترغم نفسها على تخيل اللحظة التي ستهبط بها من الحافلة، وتعود بأفكارها إلى ابنها، لتخطط لكل شيء بصمت. وفكرت فجأة: هل هذا الابن حيوان ستبيعه في سوق روان؟ هل تريد أن تتخلص منه لمكاسب شخصية؟ كلا. كلا – ابتسمت بضعف – أن يكون بجانبك، تحت سقفك، يتنفس مثلك نفس الهواء، بجنونه غير المبرر، وبكلامه، وتفكيره الرتيب، هو شيء، وبكل بساطة، لا يحتمل، بل إنه يثير الغضب. 

توقفت الحافلة في سانت – واندريل، نهضت المرأة عن مقعدها قليلا لتنظر من المرآة الصغيرة وتشاهد المنظر الخلفي الواسع.  رأت بالضبط ما توقعته – شقا عيني السائق مثبتتان على ابنها، وعلى انعكاسات وجهه على ظهر المقاعد، وجهه الوسيم والهادئ.  

 ثم فكرت بكثير من التعجب وتساءلت بحيرة وتهكم إذا كان السائق والبقية الذين ينظرون علنا إلى وجه ابنها، يدركون أن ذلك الوجه كان جميلا وهادئا جدا فقط لأنه لا يشعر بالعطف والحب اللذين يشعلهما.  ولكن أزف الوقت لوضع حد للجمال والراحة، فهو لن يظهر بعد الآن أبدا في شوارع كورنفيل، ولن يثقل في البيت على الجو بوجوده المزعج واللامحدود. وفكرت هذه المرأة أنه لا يمكنها تحمل جمال وجه ذلك الابن لحظة واحدة إضافية – وأنه في الأيام السابقة، حينما كان لا يزال معقولا، لم يكن وجهه وسيما هكذا. والآن لا يفكر أحد بماضي الابن، لأنه لم تكن هناك حاجة ليخفي عنه أحد المكان الذي يقاد إليه عنوة. ولم يكن هناك سبب ليكون وجهه جميلا كما هو الآن كان مشغولا بأمور عادية. مع ذلك، فكرت المرأة، باستنكار، أنه لا يمتلك أحد الحق أن يطلب منها أن تكون ممتنة أو مسرورة لتبدله، ولا يمكن لأحد أن يطلب منها أن تبدي إعجابها بذلك الوجه، مهما كان وسيما وهادئا.  

همست في أذنه: “سأعود إلى كورنفيل بدونك”.

قال: “أعلم ذلك”.

وابتسم لها بدعة، وثقة. وذهب لأبعد من ذلك وربت على ذراعها، ولم تتمكن أن تمنع نفسها من أن تتمنى لو أن الحافلة لا تتوقف أبدا. مع أن الابن أخبرها بذلك وتفهم الموضوع تماما. ولاحظت أن أبناءها الآخرين لن يتقبلوا الأمر أبدا، وهي الآن تفتقد هذا الابن مسبقا. والشكر للرب ستعود إلى البيت وحدها: لكن كم ستشتاق له!.


ترجمها عن الفرنسية جوردان ستامب Jordan Stump.

ماري ندياي Marie NDiaye  كاتبة فرنسية من أصل إفريقي. حصلت على الغونكور عن روايتها “ثلاث نساء قادرات”.

اترك رد