عواملُ التعرية.. سيرةُ رأسٍ لم يكبر

عواملُ التعرية.. سيرةُ رأسٍ لم يكبر

اللوحة: الفنان الجنوب أفريقي ريان هيويت 

ماهر باكير دلاش

ما الشيبُ في رأسي إلا عواملُ تعريةٍ بطيئةٍ، كأنني صخرةٌ على حافةِ العمرِ لا تُقاومُ الريحَ بل تُصادقُها، تتركُ لها أن تمرَّ فوقها عامًا بعد عام، فتأخذُ من لونها شيئًا، وتتركُ فيها شيئًا من الحكاية؛ ولستُ كبيرًا كما تظنّون، فما زالت في صدري دهشةُ فتىً يركضُ خلفَ أسئلته، غير أن الزمنَ لا يقيسُ الأعمارَ بعددِ السنين، بل بعددِ ما مرَّ على القلبِ من عواصف، وما ارتطمَ بالروحِ من يقينٍ ثم انكسر، وما أُعيدَ ترميمُه بصمتٍ لا يسمعه أحد.

الشيبُ ليس إعلانَ خريفٍ كما يتوهّمون، بل هو غبارُ طرقٍ طويلةٍ سلكتُها وأنا أبحثُ عن معنى، هو أثرُ شمسٍ وقفتُ تحتها طويلًا كي أتعلمَ الصبر، هو ملحُ تجاربَ ذاب في عروقي ثم صعدَ إلى رأسي رايةً بيضاءَ تقول: لقد خضتُ المعركةَ ولم أمت؛ كلُّ شعرةٍ بيضاءَ شهادةُ عبور، لا من عمرٍ إلى عمر، بل من سذاجةٍ إلى بصيرة، ومن يقينٍ طفوليٍّ إلى سؤالٍ أكثرَ نضجًا وأقلَّ ضجيجًا.

قد تظنون أن التجاعيدَ هزيمةُ جلد، لكنها في حقيقتِها خرائطُ نجاة؛ خطوطٌ رسمها الزمنُ على وجهي كما يرسمُ النهرُ مجراه في الأرض، لا ليشوّهها بل ليُعلّمها كيف تحتفظُ بالماء؛ كلُّ خطٍّ فيها هو انحناءةُ فكرةٍ كانت حادّةً ثم لانَت، هو انكسارُ حلمٍ ثم قيامُه على هيئةٍ أخرى أكثرَ تواضعًا وأشدَّ رسوخًا، هو اعترافٌ بأن الحياةَ لا تُعطى دفعةً واحدة، بل تُنتزعُ انتزاعًا من بين مخالبِ الأيام.

لستُ شيخًا في السنين، لكنني عتيقُ التجربة؛ حملتُ على ظهري من الخيباتِ ما يكفي ليعلّمَ الظهرَ كيف يستقيم، وتعثّرتُ بما يكفي لأعرفَ أن الطريقَ ليس مستقيمًا كما في الخرائط، بل هو متعرّجٌ كنبضِ القلب، كلما ظننتَه هدأ عاد فارتفع، وكلما حسبتَه انتهى اكتشفتُ أنني في بدايته؛ الزمنُ لم يُهرّئني، بل صقلني كما يُصقل الحجرُ الكريم، أزالَ عنّي زوائدَ الوهم، وتركَ جوهرًا أكثرَ وضوحًا وأقلَّ ادعاءً.

إنكم تنظرون إلى البياضِ في رأسي فتقرؤونَ العمرَ خطأً، أما أنا فأراهُ ضوءًا تسرّبَ من شقوقِ التجربة، فأضاءَ ما كان معتمًا في داخلي؛ لستُ كبيرًا، بل مُجرَّب، ولستُ مُنهكًا، بل مُدرَّب على احتمالِ ما لا يُحتمل، تعلّمتُ أن أثقَ بالبطء، وأن أؤمنَ بأن الأشياءَ التي تتأخرُ إنما تنضج، وأن الأحلامَ التي تُكسَرُ قد تعودُ أصلبَ مما كانت، إذا ما مرّتْ عليها عواملُ التعريةِ نفسها التي بيّضتْ رأسي.

الشيبُ في ظاهرهِ انطفاءُ لون، لكنه في باطنه اشتعالُ معرفة؛ هو انتقالُ النارِ من ظاهرِ الجسدِ إلى عمقِ الروح، من حماسةٍ عمياءَ إلى حكمةٍ تُبصرُ ولا تتباهى، من اندفاعٍ يريدُ أن يصلَ سريعًا إلى سكونٍ يعرفُ أن الوصولَ وهمٌ، وأن الطريقَ هو المعنى؛ وما التجاعيدُ إلا سطورٌ كتبها الزمنُ على وجهي، كي أقرأَ نفسي كلما نظرتُ في المرآة، فأبتسمُ لذلك الفتى الذي ما زال يسكنني، وأقول له: لم تكبرْ يا صديقي، إنما تعلّمتَ كيف تحملُ قلبك دون أن ينكسر، وكيف تمشي في العاصفةِ دون أن تُطفئك.

فلا تسألوني عن عمري حين ترونَ الشيب، بل اسألوني عن القصصِ التي مرّتْ من هنا، عن الأحلامِ التي سقطتْ ثم نبتتْ من جديد، عن ليالٍ طويلةٍ كنتُ فيها وحدي مع سؤالٍ أكبرَ مني، فخرجتُ منه أصغرَ غرورًا وأكبرَ فهمًا؛ فالزمنُ لم يسرقْ شبابي، بل أعادَ تعريفَه، لم يجعلني أكبرَ سنًا فحسب، بل أعمقَ نظرًا، وأهدأَ قلبًا، وأشدَّ تصالحًا مع تلك الحقيقة البسيطة: أننا جميعًا صخورٌ في مهبِّ الريح، لا تقتلنا عواملُ التعرية، بل تمنحُنا شكلَنا الأخير.

اترك رد