البنت والوردة والباص

البنت والوردة والباص

اللوحة: الفنانة السورية ملاذ حمشو

محمد محمود غدية

تقبض بيديها على وردة حمراء، تكاد تغرزها لتصبح وشما في كفها، تعثرت خطواتها وهي تركب الباص، أمسك بها أحد الركاب، الذي حال بينها وبين السقوط.

سبب تعثرها الوردة التي كادت تعتصرها في يدها، وكأن لسان حالها يقول: أسقط ولا تسقط وردتي! 

أشاعت البهجة بابتسامتها الواسعة في وجوه كل الركاب، أحدهم أخلى لها المقعد بجواره، حين رفع حقيبته من على المقعد.

تتساءل لماذا توقفت حين أشار لها، واستمعت له؟ 

– صدقيني مهما وصفت، فلن أفلح في وصف فتاة، لثمتها ربة الحب عند مولدها، فأكسبتها تلك الرقة والجمال. 

ثم وضع في يدها وردة حمراء، وانصرف! لم يسألها عن اسمها، كما لم تسأله عن اسمه، ولم يتبادلا أرقام الهاتف؟ 

أوصدت قلبها وأغلقته في وجه الحب، منذ سنوات الجامعة، عملا بنصيحة والديها، حتى السنة الرابعة، لم يصادفها الهوى الا اليوم، حين أحبها نجما أضاء عتمتها، واستطاع أن يلمس مهجتها، تجلى في صورة ملاك، فيه شيء من البشر، ومن النور الخالص.

تراجعت عن لثم الوردة، أمام هذه العيون التي تكاد تقفز من محاجرها لابتلاعها، صوته مازال يشنف أذنيها كأوتار الكمان.

هل الحب سببا في اخضرار الحقول التي تراها من شباك الباص، والدليل أنها مازالت تحيا في هذا العالم؟

الوردة في كفها تشعر بها وتتحسسها ويضوع عطرها، تشعر بالدماء حارة قوية، في احتقان وجهها، الذي بدا كرغيف خبز طازج خارج من فوهة فرن الخباز، حتى أنها شعرت به يوشك أن يحترق من فرط سخونة الخجل! 

تفتر السحب عن ابتسامة، يتسلل منها قرص الشمس، الذي أسقط رداءه الذهبي، وارتدى حلته البرتقالية، انها مقبلة على تجربة حلوة، كأنها هدية دنت وتدلت من السماء، لقد عصف بها الحب، مثل كائن يهتز على وقع الصوت واللون والعطر والملمس والمذاق.

أطلت من شباك الباص، ودهشت حين رأت أماكن لم تألفها من قبل، فقد غادر الباص محطتها منذ الساعة، وهي غارقة في قراءة عميقة، لرواية لم تكتمل بعد!

اترك رد