جالا وسلفادور دالي.. قصة العشق التي صنعت الأسطورة

جالا وسلفادور دالي.. قصة العشق التي صنعت الأسطورة

جولييت المصري

اللوحة: لسلفادور دالي يصور فيها وجه جالا وهي بعنوان «جالاتيا ذات الأفلاك»

قصة جالا وسلفادور دالي من أكثر قصص العشق غرابة وتأثيراً، فقد تحولت إلى الحبيبة الملهمة. وقد قال عنها ذات يوم واصفا حبه وشدة تعلقه بها: «أنا أحب جالا أكثر من أمي، وأكثر من أبي، وأكثر من بيكاسو.. وأكثر من المال نفسه»  وربما تعد هذه الجملة أدق وصف لأغرب قصة حب في التاريخ.

  • كيف التقى سلفادور دالي وجالا

في صيف عام 1929، لم يكن سلفادور دالي سوى شاب إسباني يطارد كوابيسه ويتأرجح على حافة الجنون، يرتجف أمام فكرة الحب، ويخشى التقرب من عالم النساء، حتى ظهرت في حياته “جالا”؛ تلك المرأة التي كانت زلزالا أعاد ترتيب تضاريس روحه.

في باريس، أثناء عرض الفيلم السريالي الشهير Un Chien Andalou (كلب أندلسي)، دعا دالي الحاضرين إلى قضاء الصيف في منزله في إسبانيا، وهناك وقعت اللحظة التي غيرت حياته إلى الأبد. هناك التقى غالا، التي جاءت برفقة زوجها حينذاك، الشاعر بول إيلوار، وسرعان ما وقع الاثنان في حب عاصف مخيف، ومنذ تلك اللحظة ارتبطت روحاهما حتى آخر يوم في حياتهما.

  • من هي جالا

ولدت “إيلينا إيفانوفنا دياكونوفا” وهي روسية الأصل، في مدينة قازان عام 1894، واشتهرت باسم “جالا” الذي أطلقه عليها زوجها الأول الشاعر الفرنسي بول إيلوار، وظل الاسم ملازما لها حتى وفاتها كزوجة وملهمة لسلفادور دالي. نشأت في بيئة مثقفة لكنها كانت تحمل طموحا هائلا وحرية لا تعرف القيد. قبل أن تلتقي دالي، كانت قد صقلت شخصيتها في صالونات باريس الأدبية، وتزوجت من بول إيلوار عام 1917، ولكن زواجهما كان معقدا ومليئا بالخيانة والمشكلات، حتى عرف أنها كانت على علاقة بالفنان ماكس إرنست وكانت ملهمته.

لم تكن جالا امرأة عادية؛ كانت تمتلك قدرة سحرية على اكتشاف العبقرية وتوجيهها. لقاؤها بدالي قلب كل شيء رأسا على عقب، فبعد لقائهما الأول تركت زوجها وسارت خلف الحب الذي شعرت أنه قدرها. وحين أبصرها دالي، رآها مصدر إلهام حياته، ومنبع ثقته، ورمز خلاصه الفني والروحي، كان يلقبها “جراديفا”؛ المرأة الأسطورية التي تعيد الحياة للموتى، هي القوة التي تسير أمامه، والملهمة التي تحيي في داخله الرغبة في الإبداع، والمرأة التي تمتلك مفاتيح عالم اللاوعي الخاص به. آمنت بعبقريته وهو ما يزال شابا مجهولا، فقيرا، لا يهتم به أحد، وكان دائما يقول إنها أنقذته من الجنون ومن الموت المبكر.

  • جالا حارسة عبقرية دالي

أصبحت جالا العقل الذي لولاه لتشتت خيال دالي، وشيئا فشيئا أصبحت شريكته، وحارسة عبقريته، ومديرة أعماله التي صنعت مجده العالمي. هي التي كانت تنظم فوضى أيامه، وتشعل أحلامه، تمهد له الأرض ليضع قدميه بثبات بينما تحلق روحه في عالمه الخاص، وتقف بصرامة أمام تجار الفن لضمان حقوقه. وبينما كان هو يحلق في سماوات السريالية، كانت هي تقتحم أبواب نيويورك، تبيع لوحاته، وتصنع من اسمه علامة تجارية عالمية. كانت شريكته وحارسة بوابات جنونه، ومديرة أعماله التي لا ترحم.

تسللت جالا إلى مسام ريشته، فاستحالت أيقونة مقدسة في أعماله. كانت تظهر ظلا، حلما، طيفا، امرأة مقدسة، أو بطلة تتربع في قلب اللوحة، يرسمها كفلسفة بصرية. نجدها تارة في لوحة “ليدا الذرية” (Leda Atomica)، وتارة كآلهة في لوحة “جالاتيا الكرات” (Galatea of the Spheres)، وظهرا صامتا يراقب البحر في لوحة “امرأة عند النافذة” (Figure at a Window). ووصل به الوله أن يدمج كينونته بكينونتها، فصار يوقع لوحاته باسم “جالا- سلفادور دالي”؛ إيمانا منه بأن يده التي ترسم ليست إلا امتدادا لروحها التي تلهم.

  • سلفادور دالي ضيف جالا الخفيف الظل

ومع تقدم العمر، ورغم ما قيل عن نزواتها وقسوتها، بقي دالي يتعبد في محرابها. اشترى لها “قلعة بوبول” لتكون مملكتها الخاصة، وارتضى لنفسه أن يكون غريبا لا يطأ عتبة القصر إلا إذا أرسلت له دعوة رسمية بخط يدها.

في العاشر من يونيو 1982، انطفأت شموع جالا، فانطفأ معها دالي تماما. توقفت ريشته عن الرقص، وغرقت ألوانه في رماد الحزن. أمر بأن تدفن في قبو قلعتها التي أحبت، وبقي هو يقتات على صداها في صمت موحش، مؤكدا أن قصتهما لم تكن مجرد زواج، بل كانت انصهارا أبديا بين الجنون والعقل، بين الريشة والروح.

اترك رد