لا تجيء مرة أخرى أيها الحلم

لا تجيء مرة أخرى أيها الحلم

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان البرازيلي ماركوس جينوزا

لا تجيء مرةً أخرى

أيها الحلم،

لقد تعبتُ من ترتيبِ الكراسي لضيفٍ

لا يدخل البيت أبدًا.

كلُّ ليلة

أغسلُ النافذةَ بماءِ الانتظار،

أعلّقُ قميصَ الغياب قرب الباب،

وأتركُ قلبي مضاءً

مثل متجرٍ صغير

نسيه صاحبه مفتوحًا

في آخر المدينة.

ثم لا أحد.

أنتَ تعرف

كم من العمرِ أنفقتهُ

وأنا أراقبُ الجهات

كحارسِ منارةٍ

لا تأتيه السفن.

وحدي

أعدُّ الأصواتَ الصاعدةَ من السلالم،

أرتبكُ كلما اهتزّ الهواء،

وأظنُّ أن خطواتكَ

أخيرًا

وجدت عنواني.

لكنّ الريح

كانت دائمًا أكثرَ براعةً منك

في تقليد الوصول.

أيها الحلم،

لقد كبرتُ قليلًا

على تلك الحيلِ التي كنتَ تلمّع بها المسافات.

لم تعد السماءُ تقنعني

حين تفتحُ زرقتها فجأةً

كأنها وعدٌ شخصيٌّ لي،

ولم أعد أصدّقُ الشوارع

حين تتأنقُ مساءً

لتوهم العابرين

أن الحياةَ ما تزال قابلةً للإصلاح.

أعرفُ الآن

أن بعضَ الأشياء

تولدُ ناقصةً إلى الأبد،

وأن القلوبَ ليست أوطانًا آمنة،

بل محطاتٌ مهجورة

تتبادلُ القطاراتُ فيها

صفيرَ الفقد.

كم مرةً

جلستُ قرب نفسي

كمن يجلسُ قرب مريضٍ قديم،

أربّتُ على كتفه

وأقول له:

غدًا سيتغير كل شيء.

لكن الغد

كان موظفًا كسولًا

يؤجل المعجزات باستمرار.

أيها الحلم،

كنتَ تدخلني

مثل نافذةٍ تُفتح في جدارٍ مغلق،

وأنا،

بكلِّ سذاجتي،

كنتُ أظنُّ الضوءَ حقيقة.

لم أفهم

أن الضوءَ أيضًا

قد يكون خدعةً متقنة.

كنتَ تجعلني أصدّق

أن العالم أقلُّ قسوةً مما يبدو،

أن الخيباتِ يمكن غسلها بالموسيقى،

أن الذين رحلوا

سيعودون ذات مساء

وقد تعلّموا الاعتذار.

لكن أحدًا

لا يعود كما كان.

حتى الأسماء

حين تغيب طويلًا

تتغيّر ملامحها.

حتى المرايا

تنسى وجوهنا بالتدريج.

حتى أنا

لم أعد أعرفني جيدًا.

أحيانًا

أمرُّ قرب صورتي في الزجاج

فأشعرُ أنني أرى شخصًا

نجا من حريقٍ ما

ولم يخبر أحدًا.

لا تجيء مرةً أخرى

أيها الحلم،

لقد صرتُ أخافُ منك.

أخافُ من تلك المسافةِ

التي تفتحها داخل الروح

ثم تتركها بلا نهاية.

أخافُ من اللغة

حين تصبحُ أكثرَ جمالًا من الحياة،

ومن الأغنيات

التي تجعلُ الحنينَ يبدو فضيلة،

ومن الليل

حين يجلسُ قرب سريري

كصديقٍ قديم

ويبدأُ بإقناعي

أن الخرابَ يمكن احتماله.

لا،

لا يمكن احتماله دائمًا.

هناك تعبٌ

لا يراه أحد،

تعبُ الذين يبتسمون كثيرًا

كي لا يسقطوا أمام الآخرين.

هناك قلبٌ

أمضى سنواتٍ

وهو يحاولُ أن يكون قويًا،

حتى تحوّلَ بالتدريج

إلى حجرٍ يتذكّر أنه كان حيًّا.

أتذكرُ كيف كنتَ

تضعُ يدكَ على كتفي

وتأخذني بعيدًا؟

كنّا نمشي في طرقاتٍ

تلمعُ كأن المطرَ اخترعها لتوّه،

وكانت الأشجارُ تبدو خفيفة

إلى درجة أنني صدّقتُ

أن العالمَ بلا جاذبية.

كنتُ أرى المستقبل

مثل شرفةٍ واسعة

تمتلئُ بالنور والضحكات،

وكان قلبي

يجري نحو الأيام

كطفلٍ خرج لتوّه

من عتمة الحرب.

لكن السنوات

كانت أكثر دهاءً من أحلامنا.

لقد بدّلتِ الأشياءُ أماكنها ببطء،

حتى صار الفرحُ

حادثًا نادرًا،

وصار الإنسانُ

يحملُ وحدتهُ

كما يحملُ عاملٌ فقير

صندوقَ أدواته الثقيلة.

أيها الحلم،

كم شخصًا سلّمتني إليه

ثم اختفى؟

كم بابًا قلتَ لي:

ادخله،

وراءه حياةٌ أخرى،

فدخلتُ

ولم أجد سوى صدى خطواتي؟

كنتُ كريمًا في الوعود،

بارعًا في اختراع النهايات السعيدة،

لكن الحياة

لم تكن تقرأ النصَّ نفسه.

هي كانت ترتجلُ خرابها

كل يوم.

أعرفُ الآن

أن القلبَ ليس طائرًا كما يقول الشعراء،

القلبُ حجرٌ مبلّلٌ بالذكريات،

وأن الإنسان

لا يعيش بالأمل دائمًا،

بل أحيانًا

يعيشُ فقط

لأنه لم يجد طريقةً مناسبةً للغياب.

أعرفُ أن الوحدة

ليست أن تبقى وحيدًا،

بل أن تمتلئَ بمن رحلوا.

وأن الليل

ليس وقتًا من اليوم،

بل غرفةٌ كبيرة

تجلسُ فيها الأرواحُ المتعبة

لتراجع خسائرها.

لا تجيء مرةً أخرى

أيها الحلم.

لقد تعبتُ من الوقوفِ على أطرافِ روحي

كي أراك.

تعبتُ من إصلاحِ نفسي

بعد كلِّ سقوط،

ومن جمعِ شظايا المعنى

كعاملِ نظافةٍ

يكنسُ شارعًا لا ينتهي.

كلما حاولتُ نسيانك

أعدتَ ترتيبَ الغياب داخلي،

كأنك لا تريدني

أن أشفى تمامًا.

وأنا

أريدُ أخيرًا

أن أعيشَ بلا أوهامٍ كثيرة،

بلا نوافذ مفتوحةٍ على المستحيل،

بلا رسائلَ يكتبها الانتظارُ

ثم يمزقها الفجر.

أريدُ حياةً عادية،

كرغيفٍ ساخن،

كمقهى هادئ،

كنومٍ عميق

لا يوقظني فيه أحد.

لكنّك

كلما ابتعدتُ عنك

كبرتَ في داخلي أكثر.

أيها الحلم،

لقد جعلتني أؤمن

أن الكلمات قادرةٌ على إنقاذ البشر.

لهذا كتبتُ كثيرًا،

كتبتُ كأن اللغةَ قاربُ نجاة،

كأن الجملةَ بابٌ سريٌّ

يؤدي إلى نجاةٍ ما.

لكن الكلمات

كانت تنقذني مؤقتًا فقط،

مثل مصباحٍ صغير

في نفقٍ طويل.

وها أنا الآن

أجلسُ وسط هذا العمر

وأشعرُ أنني

مجردُ شخصٍ

تأخر كثيرًا

في فهم العالم.

أحيانًا

أحسدُ أولئك الذين لا يحلمون.

الذين ينامون ببساطة،

ويستيقظون ببساطة،

ويمرُّ النهارُ عليهم

دون أن يسألوا:

هل كان يمكن للحياة

أن تكون أقلَّ قسوة؟

أما أنا

فكلُّ شيءٍ داخلي

كان يريدُ أكثر.

أكثر من الوقت،

أكثر من الحب،

أكثر من المعنى،

ولهذا

كنتُ أخسرُ باستمرار.

فالذين يريدون كثيرًا

تخذلهم الحياةُ

بطريقتها الدقيقة.

لا تجيء مرةً أخرى

أيها الحلم،

لقد صار حضوركَ

يشبهُ غيابًا مؤجلًا.

كلما اقتربتَ

ابتعدَ الواقعُ أكثر،

وكلما صدّقتُك

ازداد العالمُ برودة.

دعني هذه المرّة

أجلسُ مع خساراتي بهدوء،

دون موسيقى،

دون استعاراتٍ تلمّع الألم،

دون أملٍ يجرُّ خلفه

خيبةً جديدة.

دعني أتعلم

كيف أكون عاديًا،

كيف أمرُّ قرب الأشياء

دون أن أكسر قلبي عليها،

كيف أنظرُ إلى السماء

ولا أبحثُ عن علامة.

لقد تأخرتَ كثيرًا

أيها الحلم.

وما يتأخرُ طويلًا

يفقدُ حقَّهُ في الدهشة.

الذين انتظروكَ

ناموا في منتصف الطريق،

والنوافذُ التي كنتَ تطرقها

أكلها الغبار.

حتى قلبي

ذلك الذي كان يركضُ نحوك

مثل طفلٍ يرى البحر لأول مرة،

صار يجلسُ بصمت

كعجوزٍ فقدَ أسماءَ أصدقائه.

ومع ذلك،

ثمة شيءٌ صغير

ما يزال يقاومُ داخلي.

شيءٌ يشبهُ شمعةً بعيدة

في آخر العتمة.

كلما قلتُ له: انتهى كل شيء،

أعاد ترتيب الضوء.

كلما أغلقتُ الباب،

فتحَ نافذةً سريةً في روحي.

ربما لهذا

أخافُ منك أكثر من قبل،

لأنك لا تموت تمامًا،

ولأن الإنسان

مهما تعب

يتركُ مقعدًا فارغًا

للمعجزة.

لكنني هذه المرة

لن أفتح الباب.

سأدعكَ واقفًا

خلف الليل،

خلف الزجاج،

خلف السنوات كلها.

وسأتعلم أخيرًا

كيف أمشي

دون أن ألتفتَ إلى الوراء.

لا تجيء مرةً أخرى

أيها الحلم،

فبعضُ الأبواب

حين تُفتح مرتين

ينهارُ البيت.

اترك رد