اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
بمناسبة عيد العمال العالمي الذي صادف في الأول من أيّار.
الضوء لا ينكسر بالصدفة وكذلك النفس البشرية..
لم يثنه صقيع كانون القارس، ولا زخات المطر المتتالية، عن تسلُّق سقالة العمّار العالية، بخفة ابن عشرين وبعزم لا يعرف الكَلَل. قبض على شاكوشه الثقيل وبدأ بتثبيت الألواح الخشبية، برفقة عاملين إضافيين تسلّلا معه إلى داخل الخط الأخضر، بحثًا عن لقمة عيش كريم. بعد ساعات قليلة ستتوافد خلاطات الباطون الجاهز لتصب سطح العمارة التي تعاون الثلاثة في بنائها. ولم تستطع قبضة يده القوية التحكم في مسمار فولاذي تاه من ضربة شاكوشه الثقيل، فاستقرَّ في عينه اليمنى، التي بدأت تنزف بغزارة، كنافورة ماء.
هبط عن السقالة وهو يغطي عينه النازفة بقبعته الملطخة بالإسمنت اليابس؛ كان يفرفر كدجاجة مذبوحة ويصيح: «عيني! لقد انطفأت عيني!» اتصل زميليّه المذعوران برب عملهم الذي كان يعاملهم كأصدقاء، فوجد نفسه في حيرة: لا يستطيع نقل المصاب إلى المشفى، ولا حتى إلى أية عيادة محلية، لأن الأخير لا يملك تصريحًا للعمل في إسرائيل، وما ذلك إلا تعريض الاثنين لعقوبة سجن ودفع غرامة مالية.
بسرعة البرق نقله رب العمل إلى عيادة أحد الأطباء المحليين، الذي استقبله بحذر تخللته شفقة كبيرة بعدما تبيّن له الأذى الجسيم الذي ألحقه المسمار بعينه. شدّد الطبيب على ضرورة نقله إلى أقرب مشفى بسرعة قصوى، خوفًا من حدوث مضاعفات قد تؤدي إلى تلف العين.
عاد حامد إلى غرفته الحقيرة الباردة المسكونة بالفقر والقهر، التي كان يدلف سقفها طيلة فصل الشتاء، واستلقى على فراشه الخشن، مؤمّلاً أن رب عمله سيتدبّر له شاحنة أو مركبة تهرّبه لتلقي العلاج في أحد مشافي بلاده الحكومية.
تبا لهذه الحياة القاسية! التي تفاجئنا بضرباتها الموجعة! بعد أن بذل جهدًا جهيدًا ليُنهي هذه العمارة المنحوسة، كي يعود لدياره بغير رجعة، ويبدأ عملاً جديدًا يُغنيه عن هذه الحياة المتأرجحة بين الكدّ والموت. أتته هذه المصيبة!
وهو يعلم جيّدًا ما معنى أن تكون عاملًا فلسطينيًا تسلّل خفية إلى بلاد لا ترحب به، وبدون تصريحًا! أن تكون شفافًا كالماء، بلا لون ولا رائحة ولا طعم، ولكي لا يقبضوا عليك في عتبات الليل؟ يجب أن تنام في العراء، أو في المخازن والبيوت المهجورة، تحت الأرض، فوق الأرض؛ المهم أن تجد مخبأً لا يدركه حتى الذباب الأزرق. وترضى بأي طعام يُقدّم لك، وتعمل كل ما يُطلب منك، أعجبك أو لم يعجبك… حتى لو تعرّضت للموت، فلا أحد يسأل عنك أو يعوّض ذويك بحفنة نقود. أنت مخالف للقانون، ولا يحق لك شيء! وثمة نقابة عمالية مسؤولة عنك وعن مصيرك المجهول.
– «رحمتك يا الله!» هتف حامد في سره. وهل بهذه السهولة يستطيع المرء الحصول على تصريح عمل في إسرائيل؟! يجب أن يكون سجلّه نظيفًا، ناصعًا كبياض الثلج، وأن يكون متزوجًا وأبًّا لأولاد، وأن يكون حسن السلوك، وأن ينتظر في الطابور لساعات طويلة، ويتحمّل الاختناق والضغط في الصيف، والبرد القارس في الشتاء، وعذاب التفتيش الدقيق…
ولكنّه صاحب سجل نظيف؛ قط لم يبحث عن مشاكل، أو يطلب صدقة من أحد. كل ما كان يبتغيه من غربته وعمله المنهك: المال والعودة إلى مقاعد جامعته؛ فهو ليس رقمًا من أرقام الطابور؛ بل شاب مثقف طموح يريد أن ينهي دراسته بأسرع وقت ويباشر مهنة المحاماة، ليُدافع عن هؤلاء العمال البسطاء.
وأَيُّ قلب لا يرحم شبابًا في مقتبل العمر تسلّلوا خفية إلى بلاد لا ترغب بهم؟ سافروا في صناديق السيارات الخلفية، أو حشروا أنفسهم في شاحنات نقل البيض والخضار كسمك السردين المرصوص! اشتغلوا في الزراعة والبناء، تحمّلوا ظروف عمل مزرية لنيل لقمة العيش الكريم.
مرّت أيامٌ قليلة وحامد طريح الفراش ينتظر سيارة تقله إلى دياره؛ وحيدًا يكابد آلامه، لا أم تمسُد شعره، ولا أخت تتناوله دواء، ولا حبيبة تواسيه بكلمة رجاء. اختلطت عليه المشاعر وبدأ يهذي من شدة الألم، فلم يعد يميِّز أفول شمسٍ من بزوغ فجر.
تذكر والده المرحوم الذي طُرد من عمله؛ كان إنسانًا شريفًا رغم جريمته الصغيرة التي أدّت إلى طرده واحتقاره. يا له من مجتمع ملوّن كالحرباء! يحاسب العامل البسيط على هفوة، ولا يحاسب الأغنياء والرأسماليين الذين يقتاتون من دماء عمالهم ويسرقون ما يملكونه الفقراء بصفقة واحدة! لولا شحّهم واستبدادهم برؤوس الأموال لما كان سارق ولا قاتل ولا حتى شريد واحد في هذا العالم.
بعد أيامٍ من الحادثة عاد الشاب إلى دياره خالي الوفاض مهيَّض الجناح؛ يحمل آماله الموؤودة التي سربلها القنوط. وفي الطرف الآخر استقبله أخوه الصغير ووالدته التي كانت تبكي بحرقة، وكأنها تلبس حزن جميع الأنبياء. سافر الثلاثة إلى أقرب مشفى حكومي.
عند دخول حامد إلى غرفة الاستقبال وجد طابورًا طويلًا ينتظر الطبيب المختص بأمراض العيون؛ فوجئ حين أقبل نحوه رجلٌ كهل في ستيناته يلبس بزة رسمية تُدلُّ على حياة الرفاهية. عرفه حامد من أول نظرة، هو صاحب المصنع الذي كان يعمل فيه والده، واحد من أغوال الرأسماليّة، الذين أعمتهم الأثرة عن آلاف العمال الذين يُعانون يوميًا من الفقر والقهر والمطاردة، بينما يحتفظون بأموالهم في بنوك غربية بدل أن يستثمروا في مصانع وورش تستوعب هؤلاء الشباب.
ذاك الرجل، الذي يثرثر كالغراب مع الحاضرين، نظر إلى عين حامد المصابة والمضمّدة بإحكام، وسأله بفضول:
- أهي رصاصة مطاطية أم شظية يا ولد؟
أجابه حامد بامتعاض:
- إنها إصابة عمل يا عمّي.
- وهل أصبت هنا أم هناك؟
- قصدك في إسرائيل يا عمّي؟
- نعم يا ولد، هناك — يعني إسرائيل!
- أصبت هناك؟
- نعم…
- وهل كان معك تصريحًا؟
- لا…
أجاب حامد وهو ينظر إلى الأرض.
قال الرجل متشدقًا: حظك سيّء يا ولد! لن تظفر بأي تعويض… لا من هنا ولا من هناك. لو أنها كانت شظية، أو رصاصة مطاطية، لتدبرت لك تعويضًا دسمًا من هنا… ومن هناك!
نظر إليه حامد مستنكرًا، وغابت في وجهه نبرةُ أملٍ اختُطفت قبل أن تولد.
*القصّة مختارة من كتابي: دموع لم تسقط.
