عندما تتكلم الجرافات!!

عندما تتكلم الجرافات!!

اللوحة: الفنان الفلسطينية زينب شكري القولق

محمد محضار

لم يُفَكِّر في الماضي، ولا اهتم بالمستقبل، لأن الحاضر كان يضج بالحالكة. الأبواب موصدة في وجهه، ولغة التواصل تعطلت وصارت أمراً نافذاً لا يقبل النقض أو الجدل. طرقوا باب بيته في هذا الصباح، وأخبروه أن قراراً بالهدم من أجل المنفعة العامة قد أصبح ساري المفعول، يهمُّ بيوت الحي الذي وُلد به وعاش كل ما انصرم من سنوات عمره، هو وأصوله ثم فروعه.

خرج إلى الشارع مترنحاً، يحمل على كاهله كل هموم العالم. لم يكن وحده من تلقى صفعةً هذا الصباح، بل كان الألم متقاسماً بين كل الجيران بالعدل والقسطاس. وكانت بذرة الغضب والتوتر قد تنامت وسيطرت على القلوب والعقول. الوجوه اعتراها الوجوم والذعر، والأسئلة الثقيلة شجَّتِ الرؤوس.

“جدران البيت ليست مجرد لَبِناتٍ وإسمنت، بل هي حياة تضج بالذكريات، وصخب مسترسل من المشاعر. كل زاوية فيه تحكي عن ذكرى يمتزج فيها الفرح بالحزن، ويلتئم الواقع بالحلم. أما الحي فهو ليس مجرد أزقة تتقاطع فيما بينها، بل وجوه طيبة وأرواح حالمة تجمعها صلة وحب ومودة، ووشائج قرابة متشابكة. زقاقه الضيق تفوح منه رائحة الحبق ومسك الليل، وجدران بيوته المتعانقة وقد مال لونها إلى حمرة غامقة أقرب إلى لون التراب. كيف يمكن لقرار بلبوس المنفعة العامة أن يُبدِّد تفاصيل عمر كامل؟”

قال بصوت تشوبه رنّة حزن، وهو يوجه الحديث إلى الأعوان والموظفين الذين كانوا يحاولون شرح فحوى القرار المشمول بصيغة التنفيذ للجيران:

– أنا وُلِدْتُ هنا، ووالدي فارق الحياة في هذا البيت.

ردَّ أحد الأعوان:

– نحن هنا مجرد جهة منفِّذة. المنفعة العامة فرضت هدم منازل هذا الحي من أجل المخطط التنموي الجديد للمدينة.

ارتفع صوته ويداه ترتجفان وهو يقول:

– وماذا عن ذكرياتنا؟ عن حياتنا؟ أين نذهب بأطفالنا؟

ردَّ العون بصوت حازم، موجِّهاً كلامه للحاضرين:

– لديكم مهلة خمسة عشر يوماً لإخلاء بيوتكم. الاعتراض لن يوقف التنفيذ، ويمكنكم مراجعة الجهة المختصة من أجل موضوع التعويضات.

انسحب الأعوان والموظفون دون أن يمنحوهم فرصة للرد أو الاعتراض. انفضَّ الجمع، والكمد ينهش الحنايا ويفتك بالنفوس. هرول إلى بيته وقد مسَّه مزيج من الوجع والجزع. استقبلته زوجته بنظرات تفيض تساؤلاً. كلَّمها بصوت هامس مبتلعاً حروف كلماته حتى لا تصل حشرجات صوته المخنوق إلى أسماع والدته المضطجعة في الغرفة المجاورة، فريسةً للمرض ووهن الشيخوخة:

– قُضي الأمر، ولم يعد أمامنا إلا أسبوعان لإخلاء البيت، وطيّ صفحة من أعمارنا. أسبوعان اثنان وتدكُّ آليات الهدم تاريخ حيٍّ بأكمله، محوِّلةً ذكريات الأصول وغبطة الفروع إلى غبار تذروه الرياح.

عندما دخل غرفة والدته، لمح في عينيها الذابلتين معالم تساؤل عميق. ابتسم في وجهها، مازحها في محاولة لكسر أجواء الحزن المخيمة على المكان، وقال بصوت تشوبه نبرة حب:

– تبدين اليوم أكثر إشراقاً. وجهك مفعم بالحياة.

ردت وهي تحتضن محيَّاه بنظراتها الواهنة، وقد أدركت بحدسها أن شيئاً ما قد وقع:

– لدي إحساس بأن أمراً جللاً قد وقع. أرجوك أخبرني بحقيقة الأمر.

ابتلع غصته وتجمدت الابتسامة على وجهه. اقترب من حافة سريرها وأمسك يدها المتجعدة وضغط عليها بحنو، محاولاً التهرب من نظرات عينيها الكليلتين، ثم قال:

– بسبب ضغوط الحياة… لا شيء يا أمي، مجرد تعب عابر.

شدَّت على يده بوهن، واغرورقت عيناها بالدموع وهي تتطلع إلى النافذة المطلة على الشارع، حيث كانت أصوات الجيران تتعالى في الخارج. همست بصوت متهادج:

– فراسة المؤمن لا تخطئ يا ولدي. أشعر باهتزاز في جدران البيت، وكأنها تنبئنا بأن القادم أسوأ مما نتوقع.

أمام طوفان حدسها، انهار جدار صموده. دفن وجهه في صدرها وانهمرت دموعه مُدَّرَارَةً، لتجيب عن السؤال الذي لم يَقْوَ لسانه على نطق كلماته الجافة. لكن زمن الكتمان قد انتهى، والمنفعة العامة لم ترحم عجز والدته ولا ضعفها.

ساد فجأة صمت ثقيل في الغرفة، صمت لم تقطعه سوى أنفاس الأم المتلاحقة. التي سحبت يدها برفق من بين كفيه، ثم استوت جالسة. جالت ببصرها بين جدران الغرفة، حدَّقت بشقوق السقف المهترئ، وتأملت صورة زوجها المعلقة بمواجهتها في إطار باهت، ثم تمتمت بصوت يصاحبه الوهن:

– سيهدمون المكان الذي رأيت فيه النور، وتربَّى في أحضانه أطفالك؟ المكان الذي شهد شهقة والدك الأخيرة وهو يسلم الروح إلى باريها؟!

ردَّ بصوت تعمَّد أن تشوبه دفقات حب وأمل في نفس الوقت:

– فداك ألف بيت يا “أمِّيمَة”، المهم أن تكوني بخير. الله معنا ولن يتركنا فريسة لأحد.

استطاع أن يحتوي غضب والدته، ويقنعها بأن المصيبة إذا عمَّت هانت، وأن كل سكان الحي يتقاسمون نفس الهم، وأن العناد لن يغير من الواقع شيئاً، وأن الرحيل قدر لا محيد عنه. اكتفت العجوز بالاستماع إليه وهو يتظاهر برباطة الجأش والثبات، رغم أنه في قرارة نفسه كان يحس أنه تعرَّض –صحبة سكان حيه– إلى ظلم وجور كبيرين. ثم أغمضت عينيها المتعبتين واستسلمت لنوم عميق، بينما انسحب هو من الغرفة بخطوات واهنة، يكاد ينفجر في صدره بركان هادر من الغضب. لقد تصرف بكثير من الرزانة كابن بارّ، استطاع بثَّ الطمأنينة في قلب أمه، لكنه كإنسان كان يحس بتمزق داخلي وخنوع تام أمام القرارات المتوحشة التي لا تهتم بعبرات الأمهات ولا ضعف الأطفال.

انصرمت الأيام الخمسة عشر بسرعة البرق. وأخلى أغلب السكان منازلهم، ولم يبق إلا عدد قليل منهم كانوا بصدد جمع أمتعتهم بقلوب يعتصرها الألم. وكان هو واحداً منهم، إذ نقل جزءاً إلى بيت خاله الذي كان يعيش صحبة أسرته في الديار الأوروبية، والذي قبل إيواءهم حتى يتدبروا أمرهم فيما بعد.

بعد ظهور الجرافات وآليات الهدم، طاف الأعوان على البيوت يحثُّون المتخلِّفين على الإسراع في الرحيل. تصاعد الغبار وهدير المحركات، وحوصر المكان بشكل كلي حتى لا تقع حوادث أو إصابات. في تلك اللحظة القاسية، تشاء الأقدار أن تُسلِّم الأم الروح لباريها مع بدء عمليات الهدم، كأن جسدها العليل رفض أن يرى جدران بيتها تنهار، وروحها آثرت الصعود إلى الرفيق الأعلى قبل أن تسقط اللبنات الأولى من غرفتها الحانية.

أمام جلال الموت، تراجعت أصوات المحركات مرغمة، وتوقفت لغة الأوامر، لتفسح المجال لذهول حاد صبغ الوجوه بالحزن. رفض هو المغادرة ونقل الجثمان إلى أي مكان آخر. هنا لفظت أنفاسها، وهنا يجب أن يُقام واجب عزائها. بأيدي الجيران وعمال الجرافات وتحت أنظار رجال الأمن، رُفعت خيمة العزاء سامقة وسط اليَباب والخراب. لم تُنصب الخيمة على أرض ممهدة، بل رُكِّزت أوتادها قسراً بين شقوق الحجر المكسور وقضبان الحديد الملتوي، وفوق أنقاض الجدران التي كانت قبل ساعات تحمل سقف غرفتها. تمَّ وضع الكراسي فوق الغبار الساخن، وفي داخل الخيمة، وُضع نعشها كشاهد أخير على هوية المكان المفقود.

توافد سكان الحي بأكمله –من رحل منهم ومن كان يستعد للرحيل– ليتجمعوا في تلك البقعة الضيقة التي اختزلت مأساتهم المشتركة. اختلطت أصوات تلاوة القرآن بهدير الآلات المتوقفة على مضض في المحيط، وامتزجت رائحة البخور برائحة التراب والإسمنت. لم يكن المعزون يبكون “الراحلة” فحسب، بل كانوا يبكون مظاهر طفولتهم، وتاريخ أصولهم، وفروعهم التي تشتتت.

ومع غروب شمس ذلك اليوم العصيب، انفضَّ العزاء وهُدَّت الخيمة، لتتلاشى آخر مظاهر الحياة في الحي، وتختفي معانيها تماماً وسط ركام صامت لا يحمل سوى صدى الوداع الأخير، وبداية رحلة عذاب مبنية للمجهول.

اترك رد