ضاع وهو معي – للكاتبة الأمريكية لارا واس

ضاع وهو معي – للكاتبة الأمريكية لارا واس

اللوحة: الفنان البلجيكية هنرييت رونر

ترجمة: صالح الرزوق

أسرق القطط لقاء النقود. هذا صحيح. انتقيت نسلا مقنعا، وانتظرت حتى هبوط الليل، واختطفته كما يلتقط الناس قرشا وجدوه في الشارع. ولكنني لم أكن محظوظا جدا ولم أجد القروش الملقاة والمهملة على الأرصفة. هذا لا يهم. القطط هي قروش حظي الطيب. وسيدهشك كم يمكن أن توفر من تمثيل دور البطل حين تعيد المتشرد المشاكس إلى بيته الصحيح. 

بالعادة يقول صاحب القطة: “آه. باركك الرب لإعادته. إليك الإكرامية. هل تقبلها مني؟ أنقذت ابني يا سيدي. وأنا أصر على منحك الإكرامية”. 

ليس كل القطط تناسب مشروعي الصغير. حينما أختار صديق عزلتي المكسو بالفراء أطبق ثلاثة معايير. الأول، أن تكون القطة مروضة. سريعة وصامتة، وهذه الحكمة مني. كي لا تقاوم. الثاني، أفضل المحليات. فهي بعكس السلالة النقية تكون من أصول مختلطة وبدون قيمة تذكر. لا أريد أن يدفع لي الناس لأنني أعدت إليهم أحد مقتنياتهم الثمينة. وأود أن يدفعوا لي لأن عملي الطيب يضمد قلوبهم الجريحة. وهذا ما يقودني إلى معياري الثالث: على المالك أن يحب حيوانه المنزلي. كلا. ليس الحب. بل الغرام. الاكتناز. العبادة. والسيدات من هذا النوع. لكن المسنات أفضل. والأطفال أفضل منهن. وها أنا أتجول في أرجاء الحي – ليس حيي، طبعا، ليس حيي – وحينما أصادف بيتا بشعا من طابق واحد تتخلله الشقوق العميقة يبدو لي أنه على وشك الانهيار في أي ثانية. كل بيت آخر في الشارع له سور يحميه، وأشجار مشذبة، ومدخل نظيف، لكن هذا البيت يبدو وكأنه يرجو بصمت أن تأتي جرافة وتنهي وجوده. في مرج غير مشذب أمام هذه البيوت يجلس صبي ربما يبلغ سبع أو ثماني سنوات (ماذا يعنيني؟)، ويلعب مع قطة. كان الولد يمرر أصابعه في الأعشاب بينما تتمايل القطة بمكانها، ثم تقفز. كانت قطة مقلمة بخطوط بنية. نوع شائع جدا ومضجر. بكلمات أخرى: هذا هو المطلوب. انتظرت في سيارتي حتى أشرق القمر وانطفأت الأضواء في البيت. الوقت في أواخر تشرين الأول، لذلك لم يتوجب علي أن أنتظر طويلا. اليوم القمر سيكتمل إلى بدر، نظرت إلى السماء احتراما لشريك الليلة. وكالعادة أحضرت معي كيسا من الأطعمة الجاهزة. النوع الجيد منها، وليس اللحوم الغامضة التي تصلح للنفايات. خشخشت بالكيس المغلق. وخلال دقيقة برزت القطة من مخبئها، واقتربت مني كما لو أنني صديق قديم. التفت حول ساقي، وهي تهر. حملتها، ووضعتها في صندوق القطط، وأودعتها في مؤخرة السيارة. هذه القطة كانت مطيعة على نحو خاص. حتى أنها لم تكن تموء وأنا أقود عائدا إلى البيت. وأثبتت أن صحبتها أفضل من معظم الناس. والآن كل ما أحتاج له أن أنتظر الولد حتى يلاحظ غياب صديقته القطة، ثم يضطر الأبوان لإخراج محفظتيهما من جيوبهما. الأولاد هم الأهداف النموذجية لأنهم ينوحون أكثر على حيواناتهم الأليفة، أكثر مما تنوح الأرملة على جثمان زوجها الراحل. والآباء – مهما أنهكوا حساباتهم في المصرف – يسارعون للعب دور المنقذ، ويستعدون لإفلاس أنفسهم فقط ليروا صغارهم والبسمة على وجوههم مجددا. من الطبيعي ليس كل الآباء. 

سألني والدي حينما أخبرته أنني لم أشاهد قطي منذ ثلاثة أيام: “ماذا تريد منه في كل الأحوال؟. كل ما كسبناه شعره المتساقط في كل مكان ورائحة نتنة كبول الجرذان”. 

قلت له: “لكن رائحته ليست نتنة”. ولم أكن متأكدا أنه قط مذكر. فقد ظهر القط في أحد الأيام بكل بساطة، وجلس في حضني، وأصبح مكان راحته المفضل في الأسابيع الثمانية التالية – حتى اختفى دون إنذار كما تختفي قطعة النقود في يد الساحر. بحثت في كل مكان – في غرف سيارات الجيران، وأكواخهم، وحتى في علب النفايات – ولكن لم أجد قطي في أي مكان. أحيانا أعتقد أنني رأيته. كان مقلما بخطوط بنية، وهو نوع شائع بين القطط. وكلما رأيت أحدها، أسرع وأنا أصيح: “هيي. وجدتك أخيرا”. وغالبا يهرب القط أو القطة، فأعلم أنه ليس لي. ولكن بين حين وآخر، ينتظر القط، وترتعش شواربه بفضول بارد أمام هذا الصبي المتجه نحوه. فأربت على رأسه خلف الأذنين ليحتفظ بهدوئه، لكنه يرفع بهدوء قائمتيه الأماميتين ويشهر مخالبه. وكنت أعدها. واحدا بعد آخر. وأرى أنها خمسة. أنتقل للثانية. خمسة أيضا. دائما عشرة. وحينما يلاحظ خيبة أملي ينهض ويتركني وحدي على الرصيف. للقط الذي كنت أبحث عنه – قطي – قائمة أمامية بأربع مخالب فقط، باعتبار أنه فقد الأصبع الخارجي، ولكنني لم أكن أتذكر أي أصبع منها. وتلك هي علامته المميزة، والطريقة التي أتعرف بها عليه. قط بتسع أصابع أمامية. أنفقت كل مصروف جيبي بطباعة صور ولصق صورة على كل جذع شجرة، وعمود إنارة، وصندوق بريد، في دائرة قطرها ميل واحد. فعلت ذلك بنفسي، واستغرق مني ذلك عمل يومين. 

كتبت بخط صبياني فوق الصورة “مفقود”، لأنني لم أعرف اسم قطي على الإطلاق. وخشيت أن يعتقد الناس أن اسمه “مفقود”، لذلك أضفت: “من فضلكم ساعدوني في العثور على صديقي”.

“مفقود” هو ما يذكره الإعلان الآن، وسيضاف ذلك إلى قاعدة بيانات الحيوانات الضائعة. وكانت الصورة تمثل وجه القط المخطط والذي يهر مثله حاليا في حضني. 

قلت لهذه القطة “أنت الآن نجم” وربت على المنطقة التي وراء أذنيها. مالت على يدي، وضغطت رأسها على أصابعي كما تفعل القطط حينما تجد أنت اللمسة المفضلة لديها. نسل القطط يتصرف بترفع، حينما يكون كل ما تريده فعلا القليل من العاطفة. من المؤسف أن العواطف لا توفر مبالغ الفواتير المستحقة، والإعلان لم يذكر مكافأة لمن يجد القط، ولا حتى أي مبلغ صغير لدرجة مخجلة. وهذه مشكلة. بدون نقود سائلة، لن توجد قطة. وهذه حكمة أخرى من عندياتي. قلت لوالدي حبنما توسلت إليه من أجل النقود لأتمكن من دفع المكافأة: “بدون نقود لن يوجد قط”. مضى على فقدان صديقي ثلاثة أيام، واقتنعت خلالها أنه سيعود لو أبديت نحوه الرعاية الكافية. قال والدي: إنه يمكنني توفير المكافأة لمن يجده حينما تصبح النقود في يميني. قلت له: خلال الفترة اللازمة لجني النقود سيكون القط قد مات، أو بلغ من السن عتيا. رد والدي: هذا أمر مؤسف حقا. بعض الناس يلدغون بهذا الأسلوب. ويعتقدون أنهم سيستعيدون قطهم بالمجان. تثاءبت القطة التي كانت في حضني. قلت لها: “حتى أنك لا تساوي خمس دولارات”. نظرت لي ومالت برأسها كما لو أنها فهمتني. تابعت: “في الحقيقة ولا حتى قرشا واحدا. ولن تبلغي هذا المقدار في كل حال”. لكنها مسألة وقت وسيدرك الناس أن لكل شيء ثمنه. مر أسبوع، وتلته أيام. اختفت زمرة من القطط. بعضها تم العثور عليه، وما تبقى لم يجده أحد. ولكن الخبر الذي يعلن عن قط مخطط بني لم يطرأ عليه تعديل يحدد مبلغ المكافأة. كلما أتيت إلى البيت بعد نوبة عمل أخرى في محطة الوقود، حيث الشيء الوحيد الذي أسرقه هو القهوة المجهزة للزبائن، كانت القطة هناك، تنتظرني عند الباب. تقريبا أعتقد أن العودة إلى البيت كل ليلة ورؤية نفس الوجه، مسألة رائعة. حتى لو أنه ليس وجها بشريا. فالقطة بدون رائحة منفرة كما زعم الوالد، ولكنها تترك الشعر في كل مكان. وتتمسك بالأثاث أيضا، وبين وقت وآخر كنت أرغب بإعادتها بدون طلب مكافأة. طبعا لم أفعل. كنت وسط تنظيف علبة نفايات القطة حينما سمعت مخالب تخدش وتمزق القماش. أسرعت إلى المكتب، كانت القطة تجلس على كرسيي، وتحدق نحو الأعلى ببراءة عينين واسعتين. أول الأمر لم أشاهد الضرر. ثم قفزت القطة على الأرض، لتكشف ما كان مسند كرسي من الجلد، واختزلته الآن إلى أشرطة من أجزاء ممزقة خرجت من بينها الحشوة، وامتدت للأسفل على شكل تسع خدوش طويلة. بعد اختفاء قطي بقليل، أخلينا بيتنا لأن والدي لم يدفع الإبجار. لم تكن هذه أول مرة. ولكن هذه المرة مختلفة لأنني عقدت صداقة، والانتقال يعني أنني لن أرى قطي مجددا. تبديل البيوت يعني تبديل أرقام الهاتف. وحتى لو شاهد أحد الإعلانات، لن يجد طريقة للتواصل معي. توسلت إلى والدي أن يسأل مالكة البيت إن كان لا توجد طريقة أخرى حقا لحل المشكلة. أسبوع آخر فقط. أو حتى عدة أيام، حتى يجد قطي طريق العودة لي. لكن شخر والدي وهو يقول: لا يمكن للمتسولين أن ينتقوا نهايتهم. لأريح نفسي، اختلقت قصة عما حدث لصديقي. في ذهني أنه أضاع طريقه. ولكن لفترة طويلة كان يعتني بنفسه، وبما أنه بأصبع ناقص على قائمته الأمامية، لم يكن هذا سهلا عليه. برأيي أنه وجد بيته الآن. بيت حقيقي بمالك يسمح له بالنوم فيه، وهو ما لم يوافق عليه والدي، ولعله أطعمه الغذاء المفضل لديه يوميا، ورافقه إلى البيطري ليفحص له أصابعه. بعد عد الخدوش على مسند كرسيي مرارا، تسعة كانت، ولم تخدعني عيناي، حملت القطة، وضعتها في الصندوق، وركبت السيارة. كانت الشمس على وشك أن تغرب حينما وصلت إلى الحي. حيتني الإعلانات عن القط الضائع قبل الوصول بشارع. حملق بي وجه القط الشبيه بالقمر من جذع كل شجرة، وعمود إنارة، وعلبة نفايات. كان يقول “مفقود. من فضلكم ساعدوني بالعثور على صديقي”. اقتربت لأول مرة وقرأت النص القصير في الأسفل. ضاعت هذه القطة يوم الأحد الماضي في 21 تشرين الأول. في نفس اليوم ضاع قطي، ومرت السنون بعد ذلك. نفس الشهر أيضا. تأملت خط الكتابة. من الواضح أنه خط أطفال، لأنه مشوش ومائل. لم أكتب شيئا بيدي خلال سنوات، ولكن فجأة تذكرت معلم المدرسة الابتدائية حين عنفني لأنني أكتب حرف “ق r” دائما وكأنه “ف v“. حدقت بتلك الكلمة في الإعلان – صديفي (بدل صديقي). 

آلمني معصمي. يجب أن أعيد هذه القطة. والآن.

حينما توقفت أمام البيت. تنهدت بارتياح لأنه ما زال بمكانه. بكل فوضاه وعدم انتظامه. مشيت على المرج غير المشذب ونقرت عدة مرات على الخشب المتهالك. لم يفتح لي أحد. تلصصت من النافذة، كان النور مطفأ. قررت أن أنتظر عند السيارة. ولزم القط الصمت في صندوقه المودع على كرسي الركاب الأمامي. انتظرت طيلة الليل. لم يأت أحد إلى البيت. كنت أعود كل أمسية طيلة ثلاثة أيام متتالية. لم أجد أثرا للصبي. وكان البيت يبدو فارغا. لا بد أن العائلة رحلت. وهذا هو التفسير الوحيد. حاولت طلب الرقم المذكور في الإعلانات. ولكنه لم يرن. بيب بيب. بيب. ثم صمت. مشيت مسافة طويلة في الحي، وفي أحياء أخرى، أيضا، وفي أماكن كنا نعيش فيها في طفولتي. تمنيت لو أقابل الولد. أحيانا أعتقد أنني رأيته. فأسرع نحوه وأنا أصيح “هيي، وجدت قطتك”. ولكنه ينظر لي بحيرة ثم يلتفت بعيدا. كل ليلة عندما أعود إلى البيت، وأستقر على الكنبة، تقفز القطة إلى حضني. لم يمكنني إيقاف بحثي، ولكنني أعلم أن هذا سيحدث في خاتمة المطاف.

سألت القطة ذهنيا: “ما رأيك لو بقيت معي؟”. كانت تهر، وفسرت ذلك أنها لا تعترض. 

فأقول لها: “أنت بحاجة لاسم”. وكان في رأسي اسم منذ الآن. أعتقد سأسميها “لقيته”. 


*القصة منشورة في مجلة “ميتاووركير ليتراري – مجلة العمل الإضافي الأدبية”. عدد آذار 2026.

لارا واس Lara Waas كاتبة ومترجمة أمريكية. تترجم الأدب الألماني. 

اترك رد