من بين الإشكالات التي تواجه الفن التشكيلي وتفاعل الجمهور معه، هو فهم اللوحة. والسؤال الذي يظل يلح على المشاهدين والمتلقين؛ وكثيرا ما تحيرهم إجابته: كيف يمكنهم فهم اللوحة؟ وما مقصدها؟ وماذا تحاول أن تقول؟
غالباً ما يُترك هذا الدور للناقد، الذي يدخل إلى العمل بمنظوره الشخصي والأكاديمي، فيُحلل الخطوط، ويُفكك الألوان، ويستنطق الفراغات، ويُقدّم تفسيراً قد يكون دقيقاً، أو مبالغاً فيه، أو حتى بعيداً عما قصده الفنان نفسه.
لكن هناك متذوقين آخرين لا ينتظرون التفسير، بل يُسلمون أنفسهم لإحساسهم الأول باللوحة: انسجام الألوان، غرابة الشكل، تماوج الضوء، أو حتى الشعور بالراحة أو التوتر الذي تُحدثه اللوحة في النفس. هؤلاء لا يسألون: ماذا تعني؟ بل كيف أشعر عندما أتأمل العمل الفني؟ ومع ذلك، يبقى تذوق لوحة لا تُشير إلى حدث معيّن أو قصة معروفة، إشكاليةً حقيقية عند الكثيرين. فكيف نُقدّر عملاً لا نعرف من أين انطلق؟
ماذا لو استمعنا إلى الفنان نفسه؟ ماذا لو سمعناه يروي كيف نشأت اللوحة من فكرة، من حلم، من ألم، من فرح؟ كيف تشكلت الألوان على اللوحة وفق إيقاع داخلي، أو صدفة بصرية، أو صراع مع الذات؟
في هذه النافذة التي نفتحها في «حانة الشعراء» تحت عنوان «لوحة وفنان»، نسلط الضوء على اللوحة وكيف يمكن أن يراها المشاهد ويتفاعل معها، وفي نفس الوقت نستضيف عدداً من الفنانين التشكيليين أصحاب اللوحات المعروضة، ليتحدثوا عنها؛ نُسجّل كلماتهم كما قالوها: بصدق، ببساطة، وأحياناً بتأمّل عميق.
بين الضوء والزمن.. للفنانة السعودية ليلى مال الله

تُجسّد هذه اللوحة مرور الزمن وامتلاء الذاكرة بالأحداث.. الساعة في الأعلى، بعقاربها وتفاصيلها البيضاء، تُشير إلى استمرار الوقت في مسيره بلا توقف، والخلفية الرمادية الباردة، مع الفجوات والشقوق والمربعات الممزقة، تشبه جرحاً بصرياً، كأنها جراح الذاكرة، أو فواصل بين ما ننساه وما نحتفظ به، وكأن اللوحة تُفتش في طبقات اللاوعي ودروب النسيان. الشريط السينمائي في الأسفل، الملتوي صاعداً، يحمل ذكريات مشوّشة تختزل لحظات عابرة وصورا قديمة، كأن الماضي يحاول الصعود إلى منطقة الوعي، لكنه يقابل بالرفض فيضطر للانكفاء والالتواء على نفسه.. عمل صامت، لكنه يصرخ بالحزن والفلسفة والتأمّل.
- تقول ليلى مال الله عن اللوحة:
«استخدمتُ في رسمها الألوان الإكريليك على قماش بمقاس :50 / 70 سم. وفي هذه اللوحة يلتقي الزمن بالصورة ويدخل مع الذاكرة في حوارٍ بصري هادئ، حيث يمتد شريط الكاميرا كمسارٍ للذكريات، حاملاً بين إطاراته لحظاتٍ عابرة تحولت إلى قصصٍ خالدة. تتوسط الساعة المشهد بوصفها رمزًا للوقت الذي يمضي بلا توقف، بينما تقف الصور شاهدًا على قدرة الإنسان في اقتناص لحظاته وحفظها من النسيان، واخترت درجات الأبيض والأسود لتجريد المشهد من صخب الألوان، وإبراز جوهر الفكرة المتمثل في التباين بين الحضور والغياب، وبين اللحظة العابرة والذكرى الباقية.. اللوحة دعوة للتأمل في قيمة الزمن، وكيف تصبح الصورة وسيلةً لمقاومة النسيان، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر.»
لوحة «ذاكرة» للفنانة السعودية نور محمد
هذه اللوحة لـ «نور محمد» تُجسّد الهوية الوطنية بعمقها العاطفي، حيث يظهر الجمل في وسط الصحراء كرمز للصبر والانتماء، مُحاطاً بسرج ولجام ملوّنين يلفتان النظر، وتبدو الخلفية الترابية الناعمة، التي تغطي حتى السماء، لتعكس اتساع المكان وهدوءه وانسجامه، بينما تُشير الخطوط الحرة إلى حركة خفيفة، كنسمة تمرّ. في العمق يظهر المبنى الطيني والنخيل يعززان الشعور بالجذور والانتماء. لوحة تتحدث بلغة اللون، والذاكرة والحنين. فماذا قالت الفنانة نفسها عن لوحتها؟

- تقول نور محمد:
«هناك أوقات تمر بنا نحتاج فيها إلى لحظات من الصمت نراقب فيها العالم من حولنا، لحظات من الوحدة، نتمنى فيها أن نرحل بعيدا لمكان يلفه الهدوء لنبدأ رحلة داخلية نحو جوهر الوجود. هذه اللوحة هي تجسيد لتلك اللحظات، لحظات التأملٍ في الحياة وفي نعمة الوجود التي أنعم الله بها علينا. اخترت ألوان «بان باستل» لأن نعومتها تعكس هدوء اللحظة، لكنها في الوقت نفسه تحمل قوةً خفية، كقوة النفس حين تعتزل الضجيج. هذه القوة تشبه صبر الجمل، ذلك المخلوق الذي علّمنا منذ الصغر كيف نتحمل، ونمضي. الجمل في قلب المشهد ليس مجرد عنصر بصري، بل رمز للصمود، والانتماء، واختياره لم يكن عبثاً، بل تعبيراً عن إيمانٍ بجمال الخلق، وحكمة الخالق.»
لوحة الباب المهجور للفنانة المغربية صالحة الكانوني

في لوحة الباب المهجور للفنانة المغربية صالحة الكانوني، نرى الباب الخشبي الأزرق المغلق يفرض نفسه كرمز للغياب والانتظار، يروي تآكله قصة الزمن الموغل في القدم، والقفل المعلق يوحي بانقطاع، ورحيل بلا عودة، ويعزز القوس الحجري فوقه، مع الجدران البالية، إحساساً بالهوية المغربية القديمة، بينما الرصيف الحجري الأمامي يُدخل المشاهد في فضاء الذكرى. اللوحة لا تُظهر مجرد باباً، بل تفتح نافذة على صمت ما بعد الرحيل، حيث يسكن الحنين في كل شرخ، وكل لون باهت. إنها دعوة للتأمل فيما خلف الباب: ذكريات؟ أشباح؟ أم مجرد سكون وظلام مطبق؟ هذا ربما ما يتراءى لنا، فكيف رأت الفنانة لوحتها؟
- تقول صالحة الكانوني:
«اللوحة ليست مجرد مشهد لباب قديم، بل نافذة إلى عالم من الذكريات التي تكمن خلف هذا الباب المغلق، إنها تجسيد للحنين لا إلى المكان فحسب، بل إلى من سكنه، باب متهالك يختزل خلفه ضحكات، دموعا، وجوها، وقصصا توارثتها أجيال.. الباب المتهالك، مع قفله المعلق، يحمل ثقل الغياب، من مات، ومن هاجر ولم يعد، وقد استخدمتُ فيها الرمل والإكريليك على قماش بقياس 80/100 سنتمتر، وقد وُلدتْ الفكرة من لحظة تأمل أمام باب حقيقي في المدينة العتيقة «بابي الجعد» بالمغرب فكانت اللوحة فرصة للإبحار في ماضي الأجداد، وتحويل الصمت إلى حكاية، والغبار إلى ذاكرة.. لقد رسمتُها بريشتي والألوان، وكتبتُ عنها هذه الكلمات:
لا أَحِنُّ إلى الديارِ
بل لِمَنْ سَكَنَ الديارَ
واقفةً على بابِك المهجورِ
أَنفُضُ الغبارَ
أُجَرِّبُ مفاتيحي على قُفْلٍ صَدِئٍ.. صار
وأَضْرِبُ بِقَبْضَةِ نُحاسٍ
كأَنَّها سِوارُ
تَنبَعِثُ ريحُ الرُّطوبةِ
كَمِسْكٍ حُرِّ
وخَلْفَ البابِ ذِكْرى
وشِعْر وسِر
وآهات وضَحِكات
وَحَر وقَر
وعَهْد وَلَّى وحِكايات
وهَلُمَّ جَرّا
سأَكْتُبُ حِكايَتَكْ
وسَيَرْويها عَنِّي
كُلُّ عاشِقٍ مُتَيَّمٍ
ويُغَنِّيها كُلُّ طائِرٍ حُرِّ »
منازل وغرف في لوحة «تكوين» للفنانة السعودية نسمة العلق
هذه اللوحة كأنها تُعيد تخيّل الحي القديم بلغة التجريد الهندسي، حيث تتراصف المربعات والمستطيلات كأنها جدران بيوت متلاصقة تحت شمس ملتهبة. في القلب، تتوهج كتل دافئة من الأحمر والبرتقالي والأصفر، كأنها تشع حرارة النهار، هذه النيران البصرية تتوازن مع قاعدة زرقاء نيلية باردة، كظل ممتد.. كل شيء محاط بإطار من المربعات الباهتة بدرجات الرمادي والبنفسجي، كضوء الفجر أو الغسق.. العمل ليس مشهدًا، بل ذاكرة بصرية: صمت الحارة، دفء الجدران، وصخب الضوء.

- تقول نسمة العلق عن لوحتها:
«لوحتي عبارة عن تكوين هندسي رسمتُها بخامات «جيسو وألوان إكريلك مكسميديه» بمقاس: 120/100، هذه اللوحة ليست مجرد تكوين هندسي، بل نبض من القلب يُترجم إلى فن، بطبقات من الجيسو والإكريلك، صنعتُ عالمًا من المربعات المتداخلة كأنها غرف ومنازل، كل واحدة تحمل مشاعر حبي لوطني، وأمنيتي: أن تكون قلوب سكانها مملوءة بالحب والتسامح والتعاون. اللون الأحمر الدافئ لما يسري في القلب، رمزًا للشغف والحب، بينما يوازنه الأزرق البارد، والأصفر، والأخضر، كسماء وأرض خضراء تنبض بالحياة. استخدمت المعجون والكولاج لإبراز الملمس، كأن اللوحة تتنفس. نفذتها خلال أسبوع، لأن كل طبقة تحتاج وقتًا كي تُخرج ما فيها من العمق. أتمنى أن يرى الجميع وطني كجنة ملوّنة، حيث يسكن الجمال في كل زاوية، وفي كل قلب.»
سحر الشرق.. لوحة للفنانة الكويتية أمل المطيري

تُجسّد اللوحة جمال المرأة الشرقية بلباسها وزينتها، وامتزاج تلك الهوية بالحداثة، حيث يظهر وجه امرأة منحوتًا بقطع خشبية هندسية في النصف الأيسر، وفي اليمين، تلتف زخارف عربية ذهبية، تبرز بينها عبارة «سحر الشرق» والحلي الحقيقية من معدن وخرز، وقلائد مرصعة تُحيط بالرأس والعنق، وتمنح العمل بُعدًا ماديًا ثلاثي الأبعاد. اللوحة ليست رسمًا فقط، بل كائن تراثي حي، يتنفس بين الماضي والمعاصرة، ويُعيد تعريف الجمال بثقة وانتماء وهوية.
- فماذا قالت أمل المطيري عن تلك اللوحة؟
«لوحة «سحر الشرق» هي تجسيد للمرأة العربية في قوتها وجمالها معًا، صُمّمت من بقايا مصانع المعادن، نحاس وحديد كرمز للصلابة، ولِما تتحمّله المرأة من تحديات. هذه الخامة الصلبة تحمل نقيضها: الحلي والأحجار الكريمة، التي تُطعّم العمل كأنها تفاصيل من تراثها، تُحيط بالعنق وتُزيّن الرأس، فتُجسّد الرقة والجمال الذي لا يتناقض مع القوة، بل يكملها. الحروف العربية بخط الثلث تلتف بانسياب، مُضيفة عمقًا بصريًا وروحيًا، مؤكدة الأصالة في زمن التحدي. كل عنصر في اللوحة من المعدن إلى الحجر، من الخط إلى الزخرفة، هو شهادة على أصالة الهوية، وتأكيد أن الاهتمام بالأناقة والجمال لا يقلل من القوة، بل هو جزء منها. شاركت اللوحة في أبرز المعارض الدولية، من دبي إلى الكويت، وستُعرض قريبًا في سفارة الصين، حاملة رسالة الشرق بفخر وثقة.»
عازفة الألحان الجميلة.. للفنانة السعودية زهراء البناي

لوحة تنبض بحركة تعبيرية تشبه الموسيقا، حيث يتوسط التكوين عمود تجريدي يشبه جسدًا أو آلة ناي، يتصاعد منه لولب وخطوط أنفاس كأنها تعزف لحنًا خفيًا. الخلفية الملتهبة بالبرتقالي والأصفر تضيء فضاءً داخليًا، بينما تنساب ألوان باردة في الوسط، كموجات صوتية مرئية. الوشاح الأرجواني على اليسار، المزدان بجدائل ورد، يوازن العمود الكلاسيكي على اليمين، الذي تلتف حوله أغصان حمراء كأنها تنبت من الرمز إلى الواقع. اللوحة احتفال بالأنثى، الطبيعة، والصوت، وكأن كلٌّ منهم يولد من الآخر.
- وهذا ما قالته زهراء البناي عن للوحة:
«الموسيقى لم تكن مجرد إلهام، شغفي بها جعلها لغة تدخل إلى قلب اللوحة. من خلال الألوان، تجلّت إيقاعات الصوت كأنها نوتات تنساب على قطعة حرير، حيث يتناغم التدرج اللوني مع تدرّج النغمة، وتسير السرعة مع إيقاع اللحن.. استخدمتُ في دسمها ألوان الإكريلك على كانفس، بمقاس: 190/120 سم. الجسد الأنثوي بخطوط منحنية، يصبح آلة موسيقية تعزف الناي، وكأن الأنثى والموسيقا كيان واحد. في كل ضربة فرشاة، كنت أتسلق عالم الخيال، أحلق خلف سُحب السماء، حاملةً لوحتي كمقطوعة بصرية لا تُسمع، بل تُرى. هذه اللوحة ليست مجرد عمل فني، بل رحلة داخلية، حيث يتحول الشغف إلى لون، والإحساس إلى إيقاع، والخيال إلى حقيقة مرئية. فازت هذه اللوحة بجائزة، فقد حازت المركز الثاني بين فناني المملكة العربية السعودية، لكن فوزها الحقيقي كان متمثلا في كل لحظة من لحظات الإبداع التي أبدعتها.»
في هذه النافذة، التي جمعت ست فنانات وست لوحات، لم نكن أمام عرض بصري فقط، بل أمام حوارٍ بين ما يُرى، وما يُقال. قدّمنا أولاً وصفًا تحليليًا لكل لوحة، من منظور المشاهد، ذلك المتلقي الذي يقف أمام العمل، يتأمّل تكوينه، ألوانه، ورموزه، ويُشغّل خياله ليُكمل ما خفي. ثمّ فتحنا الباب لصوت الفنانة نفسها، لتُخبرنا لماذا رسمت، وكيف شعرت، وماذا أرادت أن تقول من خلال الألوان التي جسدت مشاعرها فوق القماش؟
في بعض الأحيان، قد تتوافق عين المشاهد مع هدف الفنانة، وفي لحظات أخرى، قد يختلف التأويل، لأن الفن لا يملك تفسيرًا وحيدًا. لكن ما تشاركناه في كل حالة هو أن الفنانة، حين تتحدث عن عملها، لا تُكمل لنا مفهوم اللوحة فقط، بل تُضيف بُعدًا إنسانيًا لا يمكن رؤيته: الشغف الذي أشعل الفرشاة، الحلم الذي سبق اللون، والحنين أو التحدي الذي دفعها إلى التعبير.. هنا، تكتمل الدائرة: اللوحة تُولد داخل الفنان، وتُعرض كرموز في الخارج، ويعيد المتلقي تشكيلها بداخله ليفهمها حسب إحساسه وتفسيره لرموزها، مما يدل على أن الفن في جوهره، ليس فيما رسم على القماش، بل في هذا التدفق المستمر بين المشاعر، والرؤية، والمعنى الذي يتركه لدى المتلقي.
