شجرةُ الجميز لا تهاجر

شجرةُ الجميز لا تهاجر

اللوحة: الفنان الجنوب أفريقي ريان هيويت

كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً عندما فتح ألبير شيش نافذته المطلة على حارة “اليهود” المتفرعة من حي الموسكي بالقاهرة. استنشق الهواء المخلوط برائحة البخور التائه من الدكاكين المجاورة، ورائحة الطعمية الساخنة التي تفوح من عربة “عم عبده” عند أول الزقاق.

​ألبير، الرجل الخمسيني ذو النظارة المستديرة والشعر الفضي اللامع، لم يكن يرى نفسه إلا جزءاً من تراب هذه المدينة. كان والده وجده قد دُفنا هنا، وفي هذا البيت بالذات تعلّم كيف يضحك بالعامية المصرية، وكيف يجادل البائعين بطيبة قلب. بالنسبة له، لم يكن الدين يوماً جداراً، بل كان مجرد تفصيل صغير في هوية مصرية واسعة تتسع للجميع.

​في شارع عبد العزيز، كان يقع دكان ألبير لبيع الساعات وإصلاحها. لافتة خشبية قديمة مكتوب عليها بخط رقاعي جميل: “ساعاتاتي الأمانة – لأصحابها ألبير وعماد”.

​عماد كان شريكه المسلم وصديق عمره. كانا يتقاسمان كل شيء؛ فنجان قهوة الصباح، وأسرار البيوت، وحسابات الدكان. إذا جاء يوم السبت، كان عماد يدير الدكان بمفرده ليحظى ألبير براحته، وإذا جاء يوم الجمعة، كان ألبير يغلق المحل مبكراً ليترك لعماد فرصة اللحاق بالصلاة. كان الجيران يمرون بالدكان، يلقون السلام: “صباح الخير يا خواجة ألبير”، فيرد بابتسامة مصحوبة بلهجة قاهرية أصيلة: “صباح الورد يا سي محمد، مر بليل تشرب الشاي”.

​لم تكن جيرة ألبير جيرة جدران، بل كانت جيرة أرواح. في شهر رمضان، كانت زوجته “راشيل” تطهو صواني الرقاق باللحم وترسلها لجارتهم “أم أحمد”. وفي المقابل، لم تكن “أم أحمد” تخبز كعك العيد إلا وتضع نصيباً وافراً لألبير وعائلته في علبة صاج منقوشة.

​يتذكر ألبير ليلة عيد الغفران العام الماضي، حين أصيب بوعكة صحية منعته من الذهاب إلى كنيس “بوابة السماء” في شارع عدلي. يومها، لم يهدأ لرجال الحارة بال؛ دخل عليه الشيخ مصطفى إمام المسجد الصغير ومعه طبيب الحي. جلسوا حول سريره، يمازحونه ويطلبون منه أن يشفى سريعاً لأن “الحارة مظلمة بدونه”. كانت تلك اللحظات هي التي تجعل ألبير يشعر بأنه مغروس في هذه الأرض كشجرة جميز عتيقة.

​بدأت السياسة الدولية تلقي بظلالها الثقيلة على شوارع القاهرة الوديعة. في منتصف الخمسينيات، بدأت نبرة الراديو تتغير، وظهرت وجوه غريبة في الحارة تنظر إلى ألبير بنظرات لم يعهدها من قبل؛ نظرات محملة بالشك والريبة بسبب أحداث لم يكن له ولا لأي يهودي مصري بسيط يد فيها.

​كان ألبير يجلس أمام الراديو الخشبي الكبير، يستمع إلى الأخبار والدموع تترقرق في عينيه. كان يشعر بالظلم؛ فهو لم يعرف في حياته بلداً سوى مصر، ولم يغنِ يوماً إلا لـ “سيد درويش” وأم كلثوم. همس لزوجته ذات ليلة: “يا راشيل، الناس بدأت تنسى أننا أولاد البلد، وبدأوا يرون فينا غرباء.. كيف نكون غرباء وفي كل ركن من هذه المدينة لنا حكاية؟”.

​جاء اليوم الذي زاره فيه ابن عمه “يوسف” الذي كان يعيش في الإسكندرية. كان يوسف يحمل حقائب السفر وعلامات الخوف تكسو وجهه. قال لألبير بنبرة حاسمة: “الأمر انتهى يا ألبير.. الشركات تصادر، والجوازات تسحب، ولم يعد لنا أمان هنا. يجب أن نرحل، هناك بواخر تغادر إلى أوروبا”.

​وقع الكلمات على ألبير كان كالصاعقة. شعر وكأن جدران بيته تضيق عليه. رفض في البداية بشدة، وصرخ بصوت مخنوق: “أنا لا أرحل عن بيتي! أين أذهب؟ لغتي عربية، وضحكتي مصرية، وعظام أجدادي في البساتين! أموت هنا ولا أخرج”. لكن راشيل بكت، وأشارت إلى أولادهما الصغار الذين أصبحوا يواجهون مضايقات في المدرسة. أدرك ألبير، بقلب ينفطر، أن البقاء أصبح شبهاً بالمستحيل.

​في الليلة التي سبقت الرحيل، لم ينم ألبير لدقيقة واحدة. نزل إلى دكانه في شارع عبد العزيز تحت جنح الظلام. لم يكن يريد لعماد أن يراه وهو يجمع أشياءه الصغيرة. فتح الدكان، ونظر إلى الساعات المعلقة على الحائط، والتي بدا وكأن عقاربها توقفت عن الدوران.

​أخذ أدوات تصليح الساعات الدقيقة، وعدسة مكبرة كان والده قد أهداها له، ووضعها في جيبه. ترك رسالة على المكتب لشريكه عماد، ودموعه تبلل الحبر: “أخي وعمري يا عماد.. أترك لك الدكان، وأترك لك روحي معها. لم أكن أريد الرحيل، لكن الموج أعلى مني ومنك. تذكرني كلما دقت ساعة في هذا المحل”. وضع مفتاح الدكان أسفل الباب، ومشى في الشوارع الخالية، يستمع لخطواته التي تقرع الإسفلت وكأنها ودائع أخيرة.

​أشرقت شمس اليوم الأخير. كانت الحقائب الخشبية الثلاثة تقف عند الباب كالتوابيت. جاءت “أم أحمد” جارتهم وهي تبكي بحرقة، واحتضنت راشيل. أما الشيخ مصطفى، فقد وقف على عتبة البيت، يمسك بوشاح ألبير ويقول وعيناه حمراوان من البكاء: “ستترك فراغاً لا يملؤه أحد يا خواجة ألبير.. سامحنا إن قصرنا في حقك”.

​احتبس صوت ألبير في حلقه، لم يستطع الكلام. اكتفى بهز رأسه وضغط على يد الشيخ مصطفى بقوة. ركبوا سيارة الأجرة السوداء والبيضاء التي ستأخذهم إلى محطة القطار المتجه إلى الإسكندرية، حيث تنتظرهم الباخرة. طوال الطريق، كان ألبير يلتصق بزجاج السيارة، يلتهم بنظراته شوارع القاهرة: واجهات المحلات، لافتات السينما، بائعي العرقسوس، النيل الممتد كشريان حياة.. كان يودع كل شبر وكأنه يقتلع قطعة من جسده.

​وصل القطار إلى الإسكندرية، وكان هواء البحر المالح يلفح الوجوه، لكنه لم يغسل حزن ألبير. على الرصيف، وقفت الحشود المغادرة؛ وجوه شاحبة تشبه وجهه، تحمل نفس الانكسار. كانوا يهوداً مصريين، إيطاليين، ويونانيين.. كلهم يجمعهم مصير واحد: اقتلاع فجائي من أرض احتضنتهم لعقود.

​بين الحشود، لمح ألبير شخصاً يركض وهو يلهث وينادي باسمه: “ألبير!.. ألبير!”. كان عماد. سافر وراءه من القاهرة ولم يبالِ بالمشقة. ارتمى الصديقان في أحضان بعضهما البعض وسط ذهول المارة. بكيا كطفلين صغيرين. أخرج عماد من جيبه لفة صغيرة قماشية وقال: “خذ هذه معك.. تراب من الحارة، وضعته في هذه السرة لتشتم فيه رائحة مصر أينما ذهبت”. عجز ألبير عن النطق، وضعت السرة في جيب معطفه بجانب قلبه مباشرة.

​صعد ألبير وعائلته إلى ظهر الباخرة الضخمة المتجهة إلى مرسيليا. وقف على السطح يمسك بحاجز الحديد. بدأت الباخرة تتحرك ببطء، وتطلق صفارتها الحزينة التي دوت في أرجاء الميناء كصرخة وداع.

​بدأت معالم الإسكندرية تبتعد.. منارة الميناء، قلعة قايتباي، كورنيش المدينة العتيق. كان المهاجرون الآخرون ينظرون إلى الأفق الغربي نحو أوروبا، أما ألبير فكان جسده متجهاً إلى الغرب وعيناه معلقتان بالشرق، بالجنوب.. بمصر التي تذوب تدريجياً في ضباب البحر. شعر ببرودة شديدة في أطرافه، وبأن جزءاً كبيراً من هويته قد سقط في مياه البحر المتوسط ولن يستعيده أبداً.

​مرت سنوات طويلة. أصبح ألبير يعيش في شقة صغيرة بضواحي باريس. افتتح دكاناً صغيراً لإصلاح الساعات هناك، لكنه لم يتعلم قط كيف يبتسم للزبائن الفرنسيين بنفس الطريقة التي كان يبتسم بها في الموسكي. كانت لغته الفرنسية مكسرة، وظلت روحه تتحدث العربية.

​في كل ليلة، قبل أن ينام، كان ألبير يفتح علبة صغيرة مخملية، يخرج منها سرة القماش التي أعطاها له عماد، يشم رائحة التراب الجاف، ويستمع إلى دقات ساعة جيب قديمة أحضرها معه من القاهرة. كانت دقات الساعة تبدو له كدقات قلب القاهرة التي تركها خلفه. مات ألبير في الغربة حزيناً، لكنه مات وهو يوصي أولاده: “إذا تغيرت الأيام، خذوا هذا التراب وأعيدوه إلى الحارة.. هناك فقط، يمكن لروحي أن تستريح”.

اترك رد