حين يصدر ديوان شعري بعنوان «خاتم العشاق» للشاعر اليمني فؤاد متاش، يتوقع القارئ غزلًا كلاسيكيًا يدور في فلك الوجنات والعيون. لكن متاش يفاجئنا بخاتم لا يُغلق باب العشق، بل يفتحه على آفاق أوسع: من الجسد إلى الروح، ومن صنعاء إلى الدنيا.
1. المجموعة: غزل يغوص إلى القيعان
فهرس «خاتم العشاق» يرسم خريطة متنوعة: “رسالة غرامية”، “حبيبتي المغرورة”، “العاشق الجاهل”، “زوجة شاعر”، وصولاً إلى “وطني” و”شاعر الدنيا”. هذا التنوع هو أول مفاتيح تميز الديوان.
- فؤاد متاش يعلن مشروعه الشعري بجرأة منذ البداية:
“قالت قصائدُك القديمة كلها تحكي عن الوجنات… أو ليس في الأجساد شيء آخر؟ هي كالبحار فغص إلى قيعانها”.
استعارة “الغوص” تلخص فلسفته: رفض الاكتفاء بسطحية الوصف، والدعوة لحفر المعنى. وبرغم هذا العمق، حافظ متاش على عفة اللغة وسموها:
“ولي نظرةٌ ليس ترسل شراً
فإني وربك عف الضمير”.
كما يكشف الشاعر فؤاد متاش، بأنه شاعر اليمن والدنيا معاً، وبيت شعري واحد يختزل شخصيته ويجعله متفرداً بين أقرانه:
“صنعاء يوماً لم تكن وطناً فحسب
أنا شاعر الدنيا بأجمعها،
وأنا كذلك شاعر اليمن”.
هنا تتجلى عبقرية متاش. لم يقع في فخ الإقليمية الضيقة، ولم يذُب في خطاب كوني بارد. صنعاء عنده نقطة انطلاق، لا حدود. لذلك صدى صوته “كعصف الريح في المدائن” لأن قصيدته “بلا جواز سفر”. هو ابن تربة اليمن، ولسان حال الإنسان أينما كان.
2. تجليات الفرادة عند فؤاد متاش
- شخصية “سندباد الدروب”:
يقدم متاش ذاته الشاعرة كرحّال أبدي:
“أنا سندباد الدروب البعيده،
أشد الرحال وأمضي…
حياتي رحيل وبحث وشوق لنقش قصيدة”.
السفر عنده فلسفة وجود، لا جغرافيا. هذا يمنح شعره نفساً ملحمياً يختلف عن غزل المقاهي المستقرة.
- تواضع “العاشق المتواضع”:
في زمن التفاخر، يعترف متاش بعجزه بصدق مبهر:
“كم أقرأُ شعر العشاق ولا أعرف أن أكتب مثله…
ما أعرفه أني حقًا أحمل قلباً ينبض عشقًا”.
هذا التواضع يهدم الحاجز بين الشاعر والقارئ. متاش لا يتعالى ببلاغته، بل يصادقك بإنسانيته. “جهله” بالصنعة أبلغ من “علم” كثير من الشعراء.
- الحوارية وتعدد الأصوات:
قصيدة “زوجة شاعر” مثال:
“تقولين لي: كل أنثى تفاخر…
ارفعي الرأس وأنت زوجة شاعر”.
بتحويل القصيدة إلى حوار، منح متاش للمحبوبة صوتاً فاعلاً. فهي ليست مجرد “موضوع وصف”، بل شريكة في النص.
- ما أود قوله هنا والآن:
إن المجموعة الشعرية “خاتم العشاق” للشاعر فؤاد متاش ليس ختمًا على تراث الغزل، بل توقيعاً على بداية جديدة له. شاعر جمع بين أصالة الوزن وحداثة السؤال، بين عفة اللفظ وعمق الدلالة، بين انتمائه لليمن وانفتاحه على الدنيا.
فرادة فؤاد متاش إذن تكمن في معادلة صعبة: كيف تكون “شاعر اليمن” دون أن تحبس نفسك في حدودها؟ وكيف تكون “شاعر الدنيا” دون أن تفقد رائحة ترابك؟
الإجابة عنده: بالغوص. الغوص في قيعان البحر، وقيعان الروح، وقيعان المعنى. بهذا يثبت فؤاد متاش أن الغزل لم يمت، بل فقط كان ينتظر من يغوص لينقذه.
وحتى نثبت صحة ما نذهب إليه من رأي نقدي، وغدًا إلى تعضيده، ستحاول هذه المقاربة النقدية إبراز السمات الأسلوبية في المجموعة الشعرية.
أبرز السمات الأسلوبية لدى الشاعر فؤاد متاش
إنّ المتأمل في ديوان “خاتم العشاق” للشاعر اليمني فؤاد متاش يستطيع أن يرصد جملة من الخصائص الأسلوبية التي منحت شعره ملامح فرادة وتميّزاً، ومن أبرزها:
1. المزاوجة بين المحلي والكوني
يُعدّ هذا المحور السمة الأبرز في تجربته. فالشاعر لا يقف عند حدود الإقليم الضيّق، ولا يذوب في الخطاب الكوني المجرّد. بل يجمع بينهما في معادلة متوازنة، كما في قوله:
“أنا شاعر الدنيا بأجمعها / وأنا كذلك شاعر اليمن”.
وهذا المزج يمنح قصيدته أصالة الانتماء واتساع الأفق الإنساني معاً.
2. العفّة اللغوية والوضوح الدلالي
يتّسم أسلوب متاش بالسموّ الأخلاقي والعفّة في التعبير، حتى في معالجة موضوعات الغزل. يقول عن نفسه: “ولي نظرةٌ ليس ترسل شراً… فإني وربك عف الضمير”.
كما يتجنّب الغريب من الألفاظ والتكلّف البلاغي، ويميل إلى اللغة الواضحة المباشرة القريبة من المتلقي، دون أن يخلّ ذلك بعمق المعنى.
3. طغيان سمة “الشاعر الرحّال”
تهيمن على شعره صورة الشاعر المسافر الباحث، الذي يجعل من الترحال فلسفة وجود لا جغرافيا مكان. يقول: “أنا سندباد الدروب البعيده، أشد الرحال وأمضي… حياتي رحيل وبحث وشوق لنقش قصيده”.
وهذه السمة تضفي على ديوانه نفساً ملحمياً وحركياً، وتجعل من القصيدة رحلة استكشاف دائمة.
4. التواضع الشعري واعتراف “العاشق الجاهل”
على خلاف تقاليد الفخر الشعرية، ينزع متاش إلى تواضع لافت واعتراف بالقصور، فيقول: “كم أقرأُ شعر العشاق ولا أعرف أن أكتب مثله”.
هذا الأسلوب الحواري التواضعي يُسقط الحواجز بين الشاعر والمتلقي، ويكسب النص مصداقية إنسانية عالية.
5. الحوارية وتعدّد الأصوات
يميل الشاعر إلى تقنية الحوار داخل القصيدة، فيُشرك صوت المحبوبة أو الزوجة أو المعارض في بنية النص، كما في مطلع “زوجة شاعر”: “تقولين لي: كلُّ أنثى تفاخر”.
وهذا التعدّد الصوتي يمنح القصيدة حيوية درامية، ويؤكد انفتاح الشاعر على الآخر وتفاعله معه.
6. قلب المفاهيم والغوص في المعنى
ينزع متاش إلى تجاوز السطح الدلالي والمألوف في موضوعاته. فبدل الوقوف عند وصف المظاهر، يدعو إلى “الغوص إلى قيعانها”. ويقوم بقلب القيم المتعارف عليها، فيصف مفاخر الدنيا بـ “الصغائر” أمام قيمة الشعر والكلمة.
7. السلاسة الموسيقية ووضوح القافية
يعتمد الشاعر على البحور الخليلية ذات الإيقاع السلس كالمتقارب والكامل والوافر، ويلتزم بقوافٍ واضحة متراصة. وهذا الاختيار الموسيقي يخدم مقصده في جعل القصيدة تسير “بلا سفن” و “بلا جواز”، أي تصل إلى المتلقي بيسر وسهولة.
- ما أود قوله هنا:
إنّ أسلوب فؤاد متاش يقوم على معادلة جمالية قوامها: أصالة يمنية في الجذور، وإنسانية عالمية في الرؤية، وعفّة في اللفظ، وعمق في الدلالة، وتواضع في الذات الشاعرة.
