اللوح

اللوح

اللوحة: الفنان الأرجنتيني سنتياغو كاروسو

محمد جابر لطفي

نسمات صيفية تتطاير في خفة تحمل معها ما شاءت من تراب وأوراق مبعثرة حتى تستقر أخيرا أمام محل المعلم شحتوت الجزار والذي لم يتبق منه إلا صورة كبيرة بعد أن غادر الحارة إلى مثواه الأخير في مقابر الغفير منذ سنوات، تاركا امرأته ترث كل شيء: دكانه ومهنته وجلبابه المتسخ ببقع الدم، وحتى اللاسة الداكنه فوق رأسها. أصبحت المعلمة فتحية من معالم الحارة، فإذا سُمع صوتها الأجش، انكمشت الرؤوس خلف الأبواب، وأسرعت النساء في سحب أطفالهن من أمام دكان الجزارة.

– يا واد! ابعد عن اللحمة، ولا ح أعلّقك مكانها! 

ظلت فتحية تطلق صرخاتها تجاه صبي يفرّ ضاحكًا، بينما تخرج أمه من النافذة معتذرة.

لم تكن فتحية امرأة عادية. كانت في الخمسين، أرملة منذ عشرين عاما، عريضة المنكبين، قوية الذراعين، لا تخشى أحدًا. سنوات طوال قضتها إلى جواره مطأطئة الرأس، تسمع صراخه وشتائمه، وتتحمل ضربات كفه الثقيلة كلما عاد من الدكان خالي الجيب أو سيئ المزاج بينما ظل مشهد أمها وهي تقترب نحوها وتتمم كأنها تخشى أن يسمعها أحد.

“يا بنتى إحنا فقرا، أبوكى خلف 7 بنات وسابنا وراح اتجوز يجيب الولد، وإنت أكبر إخواتك ولازم تتجوزى، الستر يا فتحية أهم من كل حاجة. أنا ماصدقتش نفسى إن شحتوت الجزار خطبك منى النهاردة.”

لم تعرف فتحية يومها أن بعض أنواع الستر أشد قسوة من الجوع والعري. بعد هلاكه، أقسمت ألا يجعل رجل آخر رأسها يطأطأ. فظلت باقي أيامها تحرص أن يظل رأسها أعلى مما ينبغي. حتى صارت الحارة كلها تخشاها.

ثم جاء صلاح. شاب في منتصف العشرينيات، طويل القامة، قوي البنية، له وجه صافٍ وعينان فيهما شيء من السكينة التي تفتقدها الحارة. جاء ليعمل في ورشة الحدادة المقابلة لدكان فتحية. وفي اليوم الأول، وهي تقطع اللحمًا بساطور ضخم، وقعت عيناها عليه. ومنذ ذلك اليوم أدركت أن هناك شيئا تبدل بها! صارت تفتح الدكان أبكر. تمشط شعرها قبل النزول. وتقف عند الباب أكثر مما تقف خلف طاولة الجزارة.

وحين يمر الرجل، كانت تناديه بنعومةيا سى صلاح… تعالى خد حتة لحمة، دي أحسن حتة في الذبيحة.

فيجيبها مبتسمًا: ربنا يخليكي يا حاجة فتحية.

كانت تمقت تلك الكلمة “حاجة” وبدأت تجرب أشياء لم تخطر ببالها. وضعت قليلًا من العطر. ارتدت ثوبًا أوسع وأقل خشونة، وألقت بجلباب بزوجها بعيدا، حتى أنها اشترت مشطًا جديدًا وراحت تمشط شعرها المجعد أمام المرآة، لكن صلاح ظل يعاملها كما يعامل أمه، وكان ذلك يؤلمها كأنما يشق جسدها بسكين، حتى عندما وجدها تحمل الذبيحة بنفسها أسرع وحمل عنها الحمل الثقيل، عندها أحست بقوته ورجولته، تمنت ساعتها أن يستقر رأسها ذو الشعر الأكرث على كتفه بدلا من الذبيحة.

حتى ظهرت سميرة. ابنة عنايات الدلالة التي سكنت حديثا في البيت الملاصق لمحل الجزارة. كانت جميلة، لعوبًا، تعرف كيف تضحك بعينيها قبل شفتيها، وكيف تجعل أي رجل يشعر أنه الوحيد الذي تراه في الدنيا.

رآها صلاح – ذات صباح – عند باب بيتها ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء .أخذت سميرة تزوره في الورشة وتذهب تاركة ضحكاتها تشده إلى حيث تلقاه بعيدا عن الحارة ونظرات أهلها. بينما كانت فتحية ترقبهما من بعيد. تراه يضحك. تراه يحدق في سميرة. وتراه يسير خلفها مسلوب الإرادة. أدهش كل هذا فتحية؛ كيف إستطاعت سميرة تلك أن تأخذ بلب معشوقها، وكذلك لم ينطلق بخورا ذو رائحة غريبة من بيت عنايات، وكيف أن نساء الحارة يتعجبن من معرفتها بأشياء لم يبح أحد منهن بها من قبل، حتى سمعت ذات مساد الخبر الذى هز أركان روحها؛ صلاح ذهب إلى عنايات الدلالة، وخطب سميرة، وافقت الأم، وتردد أن الزفاف سيكون بعد أسابيع.

جلست فتحية في دكانها بعد أن أغلقته، وحدها أمام اللحوم المعلقة، وأحست بشيء أسود يكبر في صدرها. لم تبكِ، لم تصرخ، فقط ظلت تحدق في الساطور.

ثم قالت بصوت خافت: يعني أنا مش ست؟ بص لها على إيه؟ أنا عملت كل حاجة علشان يشوفنى لغاية ماجت بنت الدلالة وخطفته منى.. بس أنا اللى غلطانه دفنت روحى وخليت أى راجل ما يفكرش يبص لي.

ولأول مرة منذ موت زوجها، شعرت فتحية أنها عادت تلك الفتاة الفقيرة التي لا يختارها أحد. ظلت لأيام يأكلها حقد لا ينام، دفعها بإصرار إلى أن تجد حلا لمصيبتها.

 بعد أيام من التفكير وجدت ضالتها عندما جاءت امراتان إلى محل الجزارة، وأخذتا يتبادلان حديث عن رجل يعرف كل الأسرار في الحارة المجاورة؛ “الراجل ده يفهم في الحاجات اللي الناس ما تفهمهاش. ويقدر يساعدك تنولى إللى في بالك ياختي”

لم تنتظر فتحية كثيرًا. ذهبت إلى بيت الرجل الذى كان يعبر باب الستين جالسا في غرفة ضيقة، تتدلى من سقفها أشياء غريبة، وتملأ المكان رائحة بخور ثقيل تشبه الرائحة التي تنبعث من بيت الدلالة.

نظر إليها طويلًا ثم قال: عايزة إيه؟

– عايزة أبعد واحدة عن الراجل اللى بحبه 

– مين واسم أمها إيه؟

– البنت اسمها سميرة. وأمها عنايات 

سكت الرجل.ثم طلب منها أن تحضر عظمًا مسطحًا من ذبيحة بقر. 

– “اللوح” عارفاه طبعا إنت جزارة ومرات جزار هاتيه طازة بعد الذبح على طول وأنا ح اتصرف.

ومرة أخرى طأطأت فتحية رأسها موافقة.. في الليلة التالية، أغلقت فتحية دكانها مبكرًا. ذبحت العجل. وأخذت عظم اللوح وسلمته للساحر الذى. كتب عليه رموزا وأشكالا غير مفهومة، ذهبت به إلى غرفتها ثم وضعته أمامها. أشعلت البخور. وظلت تردد الكلمات التي حفظتها.

في البداية لم يحدث شيء. ثم انطفأ المصباح. ارتجف زجاج النافذة. وسمعت طرقة على الباب. ثم طرقة ثانية. ثم ثالثة.

رفعت فتحية رأسها. كان الباب مغلقًا. لكن شيئًا ما كان يقف خلفه. همس صوت نسائي:

– انت طلبتيني يا فتحية؟

تراجعت فتحية.لكنها أجبرت لسانها المرتعش أن يرد “أيوه…”

انفتح الباب ببطء ودخلت امرأة كانت شابة، جميلة، وشعرها أسود طويل، ورائحة البخور تسبقها. تجمد الدم في عروق فتحية، كانت تعرف هذا الوجه، تعرفه جيدًا.

قالت المرأة: انتِ عايزة صلاح يبعد عن سميرة؟

شهقت فتحية: انتِ مين؟

ابتسمت الشابة. أنا سميرة. مش عارفاني معقولة

سقط العظم من يد فتحية، تراجعت حتى اصطدمت بالحائط.

“مستحيل…”

ضحكت سميرة. لكن ضحكتها لم تكن ضحكة فتاة، كانت أعمق وأبرد.

وقالت:

صحيح أن أنا وأمّي عنايات مش زيكم. ثم اقتربت منها: أمّي من تحت الأرض، وأنا كمانلكن إحنا عايشين بينكم من زمان وماضريناش أي حد في الحارة.. ليه انتى عايزه تضريني.

بدأت فتحية تهز رأسها بعنف: لا… لا…

نظرت سميرة إلى العظم على الأرض وضحكت: لكن تعويذتك هي اللي جابتني هنا ليكي

صرخت فتحية: أنا كنت عايزة أبعدك عنه!

ابتسمت سميرة ابتسامة غريبة: وأنا جيت أوريكى حاجة وأريحك.

 وفجأة تبدلت ملامحها، لم يعد وجه سميرة، صارت وجهًا آخر مخيفا، ثم وجهًا ثالثًا أكثر قبحا، وظلت الوجوه تتبدل ثم عادت كما كانت.

قالت: الحب مايجيش بالسحر والطلاسم يا فتحية، إنتى لعبت في عداد عمرك.

ثم انطفأ كل شيء. وفي الصباح، وجد أهل الحارة فتحية تسير في الشوارع شعرها منفوش، ثوبها ممزق عند الكتف، تضحك مرة وتبكي مرة، تلوّح بيديها في الهواء، وتصيح: عظم اللوح! اللوح هو اللي عمل كده! لم يفهم أحد. قالت النساء إنها جُنّت. وقال الرجال إن الأرملة ربما فقدت عقلها بسبب الوحدة. لكن أحدًا لم يعرف ما حدث في تلك الليلة الرهيبة.

بعد أسابيع، ارتفعت أصوات الزغاريد في الحارة. كان صلاح واقفًا إلى جوار عروسه. كانت سميرة ترتدي ثوب الزفاف. جميلة، هادئة، وفي عينيها بريق غريب لا يراه أحد. وقفت فتحية بعيدًا. لم تكن تصرخ هذه المرة. كانت ساكنة تمامًا. تحدق في العروس، ثم في صلاح، ثم في وجه عنايات. وفجأة شعرت أن عنايات تنظر إليها نظرة قصيرة غامضة، كأنها تعرف كل شيء. ارتجفت فتحية، وسمعت وسط الزغاريد صوتًا خافتًا لا يعرف أحد مصدره: “الحب مايجيش بالسحر والطلاسم يا فتحية.. وضعت فتحية يديها على أذنيها. لكن الصوت ظل يتردد. ثم أخذت تضحك، ضحكة طويلة بلا معنى، ومضت بعيدا، حافية القدمين، هائجة الشعر، تهذي بكلمات لا يفهمها أحد. وخلفها كانت الزغاريد تعلو. أما هي، فظلت تمشي حتى بلغت آخر الزقاق. ثم التفتت.. نظرت إلى العرس للمرة الأخيرة، وظلت واقفة هناك، مذهولة، مكسورة، تحدق بحسرة وبلاهة في الرجل الذي أحبته، وهو يضع يده في يد سميرة. ولم تعرف فتحية، حتى آخر لحظة، هل خسرت صلاح بسبب سميرة.. أم أنها خسرت نفسها يوم حاولت أن تجعل السحر جسرا للحب.

اترك رد