تحولات الخطاب الإعلاني في مصر..  من الاستعمار إلى العولمة (1882-2011)

تحولات الخطاب الإعلاني في مصر..  من الاستعمار إلى العولمة (1882-2011)

د. خالد عزب

خالد عزب

لا يكف الدكتور محمد شومان الأستاذ الجامعي والخبير الإعلامي عن دهشتنا من فترة لأخرى لكتاب يصدره يحمل الجديد، وصدر له حديثا عن دار ليدرز كتاب (تحولات الخطاب الإعلاني في مصر.. من الاستعمار إلي العولمة) الكتاب تحليلي ونقدي، يري شومان أن فهم الإعلانات في مصر ليس ترفًا أكاديميا، بل مفتاح لفهم كيف يُصاغ الواقع الرمزي، وكيف تتداخل السلطة والهوية والاستهلاك في حياة الناس اليومية. وبعبارة اخري إذا أراد القارئ المعاصر أن يفهم كيف تغيّر الواقع في مصر على مدى عقود، فما عليه سوى أن ينظر إلى الإعلانات يفكر فيها ويحلل كيف صيغت، ومن الذي قام بصياغتها، وفي اي سياق مجتمعي، ولمن توجهت، وما الرموز التي استخدمتها. فالإعلان (الاشهار) ينشر ويفضح، ولا يمكنه الصمت او تجاهل ما حوله من تفاعلات في المجتمع والسياسة والاقتصاد، ان الاعلان لا يعكس فقط ما يجري في المجتمع وانما يؤثر ويتأثر به، ويلعب ادوارا ملموسا عبر الحقب التاريخية المختلفة من تاريخ مصر في اعادة صياغة وتشكيل الواقع. 

بإختصار الاعلان هو جزء من الفضاء العام الذي يتوسط الدولة والمجتمع، بين الثقافة والاقتصاد، بين الاقتصاد والسياسة، بين الاستهلاك والادخار، بين التغريب والحفاظ على الهوية الوطنية المصرية – العربية، بين الشرعية واللا شرعية، بين المحلية والعالمية. وعلي الرغم من أهمية الإعلانات في الطرق وفي الصحافة ووسائل الاعلام المختلفة، الا ان الاهتمام البحثي بها جاء محدودا للغاية ومن هنا تأتي أهمية كتاب الدكتور محمد شومان، مع ظهور دراسات كمية عن تأثيراته المختلفة في المجتمع والثقافة لم ينجح اغلبها من وجهة نظردكتور محمد شومان في الامساك بالطبيعة الجدلية المعقدة للإعلانات وتأثيراتها المختلفة خاصة الرمزية، فضلا عن عدم وجود دراسة تتبعيه لتطور بنية خطاب الإعلانات المصرية، هذا ما عالجه دكتور شومان في كتابه. 

ظهرت الإعلانات التجارية في صحافة الحملة الفرنسية 1798-1801، بينما كانت صحيفة الوقائع المصرية التي صدرت عام 1828، أول صحيفة مصرية تنشر الإعلانات، وكانت في معظمها كانت اعلانات حكومية، بحكم سيطرة الدولة في عصر محمد علي الصحافة ووسائل الانتاج في المجتمع المصري، لكن مع انهيار مشروع محمد علي وبدأيه التدخل الاجنبي في عصر الخديوي اسماعيل ظهرت الصحف الخاصة، وكانت تنشر الإعلانات التجارية، والتي انتعشت مع اقرار حق ملكيه الارض  للأشخاص عوضا عن الانتفاع بها، وتدفق الاستثمارات الاجنبية ذات الطابع التجاري والمغامر الي مصر، من هنا كان طبيعيا ان تظهر إعلانات الشركات الخاصة المحلية والأجنبية. واتسمت هذه النوعية من الإعلانات بالجرأة في موضوعاتها ولغتها واشكالها، وتزايد دورها في تمويل الصحف، كما شهدت هذه الفترة البداية الحقيقية لظهور مساحة إعلانية شبه ثابته في الصحيفة. 

يغطي الكتاب 129 سنه تقريبا، وهي فترة زمنية طويلة وممتدة وحافلة بالتحولات المجتمعية، من هنا جاء اختيارالمؤلف لدراسة الإعلانات الصحفية في صحيفة الاهرام منذ الاحتلال البريطاني لمصر وحتى ثورة 25 يناير 2011. لذلك ركز على النقاط المفصلية او الانقطاعات التي تعكس وتقدم نماذج للتحول والتغيير سواء في بنية المجتمع والسياسة أو في الخطاب الإعلاني. وفرض هذا النهج اختيار عينة عمدية من الإعلانات، التي يسجل كل إعلان منها انقطاع او تحول عما سبقه من إعلانات او احداث في المجتمع والسياسة المصرية خلال 129 سنه شهدت الحقبة الاستعمارية، والملكية والليبرالية المشوهة في مصر وصولا الي ثورة 1952 بنسخها الثلاث في الحكم، الحقبة الناصرية، والحقبة الساداتية، والحقبة المباركية. 

قدم الكتاب قراءة نقدية شاملة لتاريخ الانقطاعات والتحولات التي شهدها الإعلان في مصر من نواحي الشكل والمضمون، لذلك ناقشت التطور والانقطاع والتحول في التصميم والتوزيع البصري والموضوعات والقيم والرموز والدلالات التي يعكسها أو يبشر بها، وعلاقة ذلك بتحولات السياسة والاقتصاد والثقافة والهوية والصحافة وصناعة الاعلان نفسها والمجتمع المصري. مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، دخلت مصر مرحلة من التحولات الاقتصادية والثقافية الكبرى في ظل الاحتلال البريطاني، التي تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الاقتصادية والثقافية الأوروبية في مصر،حيث تأسس نمط من الكوزموبوليتانية الاستعمارية التي تروج لحداثة مشوه، تتركز مظاهرها في المدن وتحاول الجمع بين بعض عناصر الثقافة المصرية والتأثيرات الأوروبية في بيئة متعددة الأعراق واللغات، وتعتمد على الاستهلاك الحديث، والموضة، والترفيه، لكنها لم تكن تحديثًا شاملاً، فقد اقتصرت علي المدن الكبري وبعض الاحياء داخلها. بل كانت شكلاً من أشكال التحديث الاستهلاكي والثقافي الذي عزز التمايز الطبقي وأحيانًا التبعية الثقافية.

في هذا السياق شجع الاحتلال الشركات الأجنبية على دخول السوق المصري علاوة على الجاليات الأجنبية والمتمصرين والبرجوازية المصرية الوليدة، خاصة ملاك الاراضي الزراعية. في هذه السياقات، ازداد ظهور الإعلانات في الصحف اليومية وعلى رأسها الأهرام، وبدأت الإعلانات تتطور وتحتل مساحات مستقلة عن مواد الصحيفة، وتأخذ شكلاً أكثر تنميطًا ومؤسسية، يستلهم ويقلد النموذج الأوروبي في الإعلانات الرأسمالية التي تغذي النزعة الاستهلاكية، والتي لا تراهن فقط على القيم الاستعمالية للسلع والخدمات، وانما تعلى من شأنها كرموز للحداثة والمدنية والمكانة الاجتماعية الأعلى، هكذا بدأت الإعلانات التي تنشر في مصر خطابا يروج لقيم وانماط سلوك جديدة ترتبط بالثقافة الرأسمالية في دولة مستعمرة، مما يستدعي استخدام أدوات التحليل النقدي لخطاب الإعلان لفهم تمثيلاتها للسلطة، والطبقة، والهوية، وعلاقاته ببداية المرحلة الاستعمارية لمصر، وإلى اي مدي كان احد ادوات الاستعمار والاستتباع الثقافي والاستهلاكي والهوياتي لمصر.

إعلان البنك العقاري المصري عن قروض لأصحاب الأطيان – المصدر: الأهرام في 10 جنايو سنة 1883) يقصد به يناير وربما وقع الاهرام في خطأ مطبعي) – السلعة/ الخدمة: اعلان للبنك العقاري المصري عن امكانية التقدم بطلب للحصول على سلفيات (قروض) من وكلاء له خارج القاهرة – اللغة: العربية

يمثل هذا الإعلان نموذجا لأسلوب وطريقة تصميم واخراج الإعلانات في هذه الفترة، فقد كانت تكتب بلغة تقريرية تهدف إلى توصيل المعلومة إلى الجمهور المستهدف بدون محاولة استغلال العواطف أو العقول لاستعمالية المتلقي. وكانت تفتقر إلى الرسوم أو الصور وتنشر تحت كلمة إعلان بدون عنوان، مع ذكر اسم المعلن تحت كلمة إعلان سواء كان شركة أو محل أو هيئة. وكانت الإعلانات قصيرة وأغلبها ينشر على عمود واحد وفي مساحة محدودة – كانت صفحة الأهرام تقسم إلى أربعة أو ستة أعمدة فقط – وفي صفحة واحدة، فيما يشبه الإعلانات المبوبة. ولا شك أن غياب الصور أو التصميم قد يقلل من جاذبية الإعلان، لكن ربما في تلك الفترة كان هذا النمط كافيا، ربما لأن وسائل الإعلان كانت أقل تنافسا من العصر الحالي.

والفاعل الاجتماعي (social actor)الذي ينشر هذا الإعلان هو البنك العقاري المصري وكان يعلن عن تسهيلات لأصحاب الأطيان (الأراضي) في الحصول على قروض من خلال عدد من وكلاء البنك المفوضين لإنهاء الإجراءات بدون الحاجة إلى السفر إلى المحروسة – يقصد القاهرة – ويقول بالنص “يعلن لأصحاب الأطيان القاطنين خارجاً عن المحروسة أنه لا لزوم لان يحضروا إلى المحروسة لتقديم السلفيات ” ثم يوضح اسماء وكلاء البنك في محافظات الوجه البحري والقبلي واغلبهم يعيشون في عواصم المحافظات، ويلاحظ أن اغلبهم كانوا من المسيحيين وربما ظهرت اسماء ليهود أو اجانب متمصرين. كما يلاحظ ركاكة وضعف الأسلوب وتكرار الكلمات ووجود أخطاء نحوية واضحة. وعلى الرغم من اللغة التقريرية، فإن الإعلان يحمل رسالة ضمنية هي ان “البنك يسهّل الأمور ” ما يعزز صورة البنك كفاعل خدمي.

ويمكن اعتبار وكلاء البنك فاعلين من الدرجة الثانية، أما أصحاب الأطيان فهم الجمهور المستهدف، وهو جمهور محدداً طبقيا واجتماعيا، ويبدو على الأرجح انهم من متوسطي وصغار اصحاب الأراضي، ويحاول البنك الوصول إلى هذه الشرائح الاجتماعية في محافظاتهم، وتشجعهم على الاقتراض، وهو ما يدل على البنك يسعي لتوسيع دائرة نشاطه إلى خارج القاهرة والترويج لنمط جديد من القروض الرأسمالية التي لم تكن معروفة في مصر على نطاق واسع ومعلن. لكن البنك يذكر في الإعلان ان تقديم الطلبات والاوراق المطلوبة سيكون من خلال الوكلاء، اما استلام القروض فسيكون من البنك في القاهرة، لذلك على المستقرض بلغة هذه الفترة الحضور إلى المحروسة لاستلام مبلغ القرض. هذا النموذج من الاعلانات التي حللها الدكتور محمد شومان بعمق يجعل الكتاب واحدا من الكتب التي تحدث تحولا هاما في عدد من العلوم كالتاريخ والأنثربولوجيا والصحافة وغيرها، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب.   

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد