حوار الريشة والكمنجة على امتداد فضاءٍ سرديٍّ مفتوح مع الروائيَّة اليمنيَّة سيناء الروسي

حوار الريشة والكمنجة على امتداد فضاءٍ سرديٍّ مفتوح مع الروائيَّة اليمنيَّة سيناء الروسي

مقدمة

هناك خيوط خفيَّة تشدُّنا إلى بعضنا، لا تراها العين ولا يقطعها النسيان؛ خيط يربط بين يدٍ تمسك الريشة كأنَّها تُمسك قلبًا، ويدٍ أخرى تلمس أوتار الكمنجة فتستيقظ الذاكرة. وخيط آخر، أرقّ من النفس، يصل بين صوتٍ مكتوم في صدر امرأة، وفضاءٍ واسع يتَّسع لصوتها كي لا يبتلعه ضجيج العالم.

اليوم نفتح هذا الفضاء، ونترك الباب مُشرعًا لصوتٍ يمنيٍّ يعرف كيف يهمس وكيف يصرخ في آن.

صوتٌ يكتب بالحبر كما تكتب النار على الجلد، يترك أثره حيث يمرُّ، ولا يمرُّ دون أن يغيِّر شيئًا فيك.

ضيفتنا روائيَّة وقاصَّة لا تكتب ترَفًا، بل تكتب لتنجو وتنجينا معها. نساؤها يمشين على حافة الصمت، فإذا نطقن، اهتزَّ الجدار الفاصل بين البيت والوطن، بين ما تخفيه المرأة ليلًا، وما يرتجف به الوطن كلَّ ليلة.

سيناء الروسي لا توثِّق الألم وحسب، بل تُسائله كعاشقة غاضبة: من أين أتيتَ؟ ولماذا صِرتَ لهجتنا، وأحلامنا، وخطوتنا المتعثِّرة في الشوارع؟

هي تمنح الرمز رئتيه ليتنفَّس، وتدعو القارئ ليكون شريكًا في النصِّ لا مُتفرِّجًا عابرًا. تعرف أنَّ الكلام المباشر يموت في لحظته، أمَّا التلميح فيعيش عمرين.

في هذا اللقاء نمشي معها اثني عشر سؤالًا، كلُّ سؤالٍ بابٌ، وكلُّ بابٍ غرفة، وكلُّ غرفةٍ تقودنا إلى قلب النصوص، إلى الكوابيس التي لا تنام، إلى الرماد الذي لا يبرد، إلى خطوط الحُبِّ الحمراء، وإلى نساءٍ يصمتن عمرًا ثم يقُلن كلمة واحدة، فتسقط المدينة.

فلنستمع! فما سنسمعه ليس إجابات فحسب، بل خرائط صغيرة لقلوبنا، وخارطة طريق لبلدٍ لا يزال يكتب قصَّته رغم كلِّ شيء.

1– البداية الخفيفة – القصَّة القصيرة

  • في “دوَّامة الكوابيس” و”مواعيد الرماد” الإحساس بالفقد والخوف متكرِّر. هل الكابوس والرماد، عند القاصَّة سيناء الروسي، صور شخصيَّة، أم هي استعارة للواقع اليمنيِّ كاملا؟

الكابوس والرماد عندي يبدآن كتجربة شخصيَّة جدًّا؛ لكن لا يلبثان أن يتوسَّعا. الفقد الذي أعيشه امرأةً يمنيَّةً يتشابك مع فقدٍ جماعيٍّ. فلو كتبت عن كابوس يطاردني في الليل؛ القارئ اليمني يفهم فورًا أنَّه كابوس الانقطاع، القصف، الغياب. الرمز يولد من الذات ويذهب للعام.

2– الانتقال للأسلوب

  • لغتك تميل للكثافة الرمزيَّة. هل الرمز وسيلة حماية من الرقابة، أم هي وسيلة تجعل من القارئ شريكًا في بناء المعنى؟

الرمز عندي ليس مجرَّد وسيلة للالتفاف على الرقابة، بل هو مساحة مفتوحة تتَّسع للمعاني. غايتي أن يكون القارئ شريكًا في اكتشاف النصِّ، لا متلقِّيًا سلبيًّا لكلِّ شيء جاهزًا ومباشرًا.

اللغة الصريحة أحيانًا تعجز أمام تعقيد المشاعر، بينما يمنح الرمز كلَّ قارئ فرصة أن يرى نفسه ويفهم النصَّ بطريقته الخاصَّة.

وفي النهاية، تتداخل التجربة الذاتيَّة مع الواقع؛ فما أكتبه هو مزيج ممَّا عشناه وما رأيناه في من حولنا.

3– عمليَّة الكتابة

  • كيف تقرِّين أنَّ هذه الحكاية تستحقُّ قصَّة قصيرة تنفجر في 5 صفحات، وأنَّ هذه تحتاج أن تكتب رواية تتنفَّس على 200 صفحة؟

أحدِّد شكل النصِّ بناءً على عدَّة معايير، وأهمُّها: حجم الفكرة، وصدق الواقع، وحجم القضيَّة المطروحة.

حجم الفكرة: إذا كانت الرسالة مكثَّفة وقصيرة، فالأفضل أن تُصاغ في قصَّة قصيرة؛ لتكون أكثر تأثيرًا وكثافة.

صدق الواقع: لا أستسيغ حشو النصِّ بأحداث متخيَّلة أو سرد مملٍّ فقط لزيادة عدد الصفحات، في حين يمكن إيصال الفكرة نفسها في سطور قليلة ضمن قالب قصصيٍّ محكم.

حجم القضيَّة: عندما تكون المشكلة كبيرة ومؤثِّرة، فإنَّها تستدعي منحها مساحتها الكاملة في قالب روائيٍّ. عندها، حتَّى وإن قلَّت الأحداث، يجد الكاتب فرصة للابتكار وإظهار صوته الخاص، عبر نسج أحداث مرتبطة بالقضيَّة، ومعالجتها برؤية شخصيَّة تترك بصمته وأثره فيها.

4– بناء الشخصيات

  • شخصياتك النسائيَّة غالبًا بين الصمت والانفجار. هل هذا انعكاس لنساء محيطك، أم أنَّه صوتٌ داخليٌّ لم يلقَ مساحةً للبوح؟

أعتقد أنَّ المرأة في مجتمعنا غالبًا ما تُدفع إلى الصمت قسرًا، فتُكتم مشاعرها وتُؤجَّل كلماتها حتَّى تتراكم داخليًّا لتصل إلى لحظة لا تحتمل السكوت فيها، فتنفجر. من هنا جاءت شخصيَّاتي النسائيَّة بهذا الشكل؛ بين الانكسار والتمرُّد، بين الصمت الطويل والبوح المفاجئ.

بعضهنّ مستلهمات من نساء عرفتهنَّ عن قرب، حملتُ تفاصيلهنَّ وصراعاتهنَّ الصامتة ووضعتهنَّ على الورق. وبعضهنَّ الآخر هنَّ أنا في لحظاتٍ مررتُ بها، حيث لم أجد صوتًا لأقول ما أشعر به. الكتابة بالنسبة لي تتحوَّل أحيانًا إلى مساحة آمنة للبوح المؤجَّل. هي المكان الوحيد الذي أستطيع فيه قول ما لا يُقال بصوتٍ مرتفع في الواقع، فتجد الكلمات على الصفحة متنفَّسها.

على أنّ بعض القصص هي من وحي الخيال، فلا يشبهن أحدًا، وأجدهنَّ مخلوقاتي الخاصَّة.

5– الدخول لرواية «خطّ أحمر»

  •  عنوان “خطّ أحمر” نفسه تهديد. في لحظة الكتابة الأولى، أين كان الخطّ الأحمر بالنسبة لكِ: في المجتمع، في الدين، أم في خوفك أنتِ من نفسك؟

 الخطُّ الذي تشير إليه الرواية في الأساس هو خطُّ المجتمع. لكنَّ المسألة أكثرُ تعقيدًا؛ فأحيانًا تتحوَّل جاهزيَّات التأويل الدينيِّ للنصوص إلى خطٍّ فاصل، وأحيانًا أخرى يكون المجتمع هو من يرسم هذا الخطّ. والمؤسف أنَّ الجهل جعل المجتمع يتجاوز حدود الدين ذاتها، متذرِّعًا بمفاهيم العنصريَّة والتمييز، وأحيانًا باسم الشرف.

أما خوف الكاتب أو الإنسان من ذاته فلا أراه واردًا، خصوصًا بالنسبة للكتاب؛ فطبيعتهم تميل إلى الحرِّيَّة، ولا يقفون عند خطٍّ ما بدافع الخوف من أنفسهم. كلُّ ما في الأمر أنَّ حرِّيَّة الفرد تتوقَّف حين تتصادم مع حرِّيَّة الآخر، والأهم أن تكون هذه الحرِّيَّة مضبوطة بالعقلانيَّة والمبادئ والقيم.

6– قلب الصراع

  •  الحُبُّ في الرواية قام بين طرفين من طبقتين مختلفتين. هل رأيتِ هذا الحُبَّ كفعل تحرير، كوهم جميل، أم كجريمة يدفع ثمنها الطرف الأضعف وحده؟

 لم أتناول الحُبَّ في الرواية باعتباره قصَّة رومانسيَّة مثاليَّة، وإنَّما كمواجهة دائمة بين ما تشتهيه النفس البشريَّة وما يفرضه الواقع الاجتماعيُّ. ففي بعض المواضع يتحوَّل الحُبُّ إلى شكل من أشكال المقاومة، وفي مواضع أخرى ينقلب إلى عبءٍ ثقيل يدفع ثمنه الأضعف دائمًا، داخل المجتمعات المصابة بالطبقيَّة أو المجتمعات التقليديَّة والمحافظة.

7– صدق الصوت

  •  كيف حافظتِ على صوت الشخصيَّة “الدونيَّة” حتَّى لا تتحوَّل إلى مادَّة للشفقة أو لخطاب أيديولوجي جاهز؟

 لم أتعامل معها من موقع شفقةٍ أو استعلاء، ولم أرها ناقصةً تحتاج من يحنو عليها من علٍ.

خاطبتها كإنسانٍ كامل الكرامة، لها حقٌّ أصيل في أن تعيش كما تشاء، أن تحلم بلا استئذان، وأن تعبِّر عن نفسها قبل أن يُفرض عليها صمتٌ أو يُكتب عنها بغير إذنها.

آمنتُ بأنَّ لها حقًّا في المساواة، وأنَّ العدل والإنصاف ليسا منحةً تُعطى متى شئنا، بل استحقاقٌ لا يسقط بالتقادم.

ولم أكتفِ بالكلام عنها، بل جعلتُ قلمي لسانًا لها. فكلُّ سطرٍ كتبته كان صوتها يمرُّ من خلاله، كلُّ فكرةٍ صغتها كانت صدًى لما في صدرها، حتَّى لا يبقى حقُّها حبيسًا، ولا حلمها بلا لغةٍ تنطق به.

8– حدود الجرأة

  •  هل هناك مشهد معيَّن كتبته وأنتِ متردِّدة، وحذفتِه أو أبقيته رغم الخوف؟ ولماذا؟

 تردَّدت كثيرًا قبل كتابة بعض المشاهد، لكن تردُّدي لم يكن بسبب الفكرة نفسها، وإنَّما خشية أن تُفهم على غير مرادها. ومع ذلك، كنت أؤمن أن حذف المشهد الصادق هو نوع من خيانة النص؛ لذلك أبقيت على الكثير؛ لأنَّ الأدب الحقيقيَّ لا يُولد دائمًا من المناطق الآمنة.

9– السياق اليمنيُّ

  •  الأدب اليمنيُّ تحدَّث كثيرًا عن الحرب والقبيلة، لكن قليلًا عن الطبقيَّة الداخليَّة. لماذا هذا الصمت برأيك، ولماذا اخترتِ كسره الآن؟ وكيف تقيِّمين المشهد الثقافيّ والإبداع السرديّ في اليمن؟

 الحديث عن الطبقيَّة الداخليَّة محفوفٌ؛ لأنَّه يهزُّ تماسك “نحن” أمام الحرب. القبيلة والحرب أعداء واضحون، لكن الطبقيَّة تفضح أنَّ العدوَّ أحيانًا من الداخل. كسرتُ الصمت لأنِّي أعتقد أنَّ أيَّ سرد لا يلمس هذا الجرح سيبقى سطحيًّا. المشهد الثقافيُّ اليمنيُّ حيٌّ رغم كلِّ شيء، لكنَّه يحتاج منصات تحمي الكاتب من العزلة والعقاب.

10– الثمن الشخصيّ

  •  كاتبةً تطرقين مواضيع حسَّاسة، ما هو الثمن غير المكتوب الذي تدفعينه مقابل هذا الصوت؟

 الثمن الأكبر الذي يدفعه الكاتب حين يطرق أبواب المواضيع الحسَّاسة هو سوء الفهم المتكرِّر. فالناس غالبًا لا يفرِّقون بين الصوت السارد وصوت الكاتب نفسه، فيحمِّلونه مسؤوليّة كلّ فكرة أو شخصيّة تمرّ في نَصِّه. 

أن يُنظر إليك باعتبارك نسخة مطابقة لما تكتبه، أن تُختزل إنسانيتك وتجاربك في جملة أو مشهد، هذا إرهاق صامت. تصبح مُطالبًا طوال الوقت بتفسير نواياك، والدفاع عن خيالك، بينما أنت في الحقيقة لست سوى من ينقل الواقع ويشقّه بالكلمات ليفهمه ويُفهمه.

11– النظرة للمستقبل

  •  لو أعطوكِ الحرِّيَّة الكاملة بدون خوف من رقابة أو حكم اجتماعيّ، أيّ قصَّة تكتبها سيناء الروسي اليوم؟

 ربما سأكتب قصة أكثر عريًا وصدقًا عن الإنسان، قصّة أكتبها من الداخل، حيث أكتب عن هشاشته، وخوفه، ووحدته.

12– الخاتمة الشخصية

  •  سؤالي الأخير: لو التقيتِ ببطلة “خطّ أحمر” اليوم، ما أكثر جملة تخجلين من قولها لها، وما أكثر جملة تتمنّين قولها لها؟

 لو التقيتُ ببطلة “خطّ أحمر” اليوم، أكثر جملة أخجل من قولها لها: أخجل أن أقول لكِ: مبارك؛ لأنّ الفرح الذي انتظرتِه انتهى بالحرمان؛ ولأنّ الزفاف، الذي كان بداية حياة، صار آخر الطريق.

وأكثر جملة أتمنى قولها لها: لم يهزمكِ الحبُّ، بل هزمك خوفهم من امرأة اختارت قلبها. وبقي اسمكِ حزينًا في ذاكرة الحكاية، كأنَّ النهاية لم تكُن موتك بل موت الرحمة فيهم!

  •  هل من كلمة أخيرة تودّين قولها؟

 الأدب ملاذ آمن، رغم صوته الخافت.

لا يستطيع الأدب أن يغيِّر العالم بالكامل؛ لكنَّه قادر أن يمنح إنسانًا واحدًا على الأقل، شعورًا بأنَّه مفهوم وغير وحيد.


سيناء الروسي روائية وقاصة يمنية، ولدت عام 1994. وبرزت كإحدى الأصوات الأدبية النسائية في المشهد الثقافي اليمني والعربي، وتتميز كتاباتها بالتركيز على هموم الإنسان اليمني في ظل الحرب والعادات الاجتماعية الراسخة. صدرت روايتها الأولى «خط أحمر» عام 2022 وناقشت فيها بجرأة قضايا الطبقية والعنصرية تحت وطأة المعاناة والظروف القاسية التي ولدتها الحرب. كما صدرت لها مجموعتان قصصيتان «دوامة الكوابيس» 2023. و«مواعيد الرماد» 2024.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد