الحب في زمن الاستعمار

الحب في زمن الاستعمار

د. ناصر أحمد إبراهيم 

اللوحة: ” شارع في القاهرة القديمة” للفنان الإنكليزي فريدريك جودال

لطالما دُرِست الحملة الفرنسية على مصر، وكافة الحملات الاستعمارية، وكذلك فترات الاستعمار من منظور سياسي عسكري، دون التطرق للعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي جرت وقائعها بالتوازي مع التطورات السياسية البارزة. 

ميّز كل فترة استعمارية (ومنها فترة الاستعمار الفرنسي لمصر)، وجود نوعين من البشر في حيز جغرافي محدد. وبذلك شكلت الفترات الاستعمارية أرضية يلتقي عندها المحتل بضحايا الاحتلال. ولعل هذا التفاعل الذي يحتمه منطق الحياة يقدم الكثير من خلال تسليط الضوء على هذه الأحداث والوقوف على بعض من تفاصيل الحياة القائمة.

تقوم هذه الدراسة على تقديم قراءة تحليلية ليوميات سجلها ضابط فرنسي يدعى جوزيف ماري مواريه، وتحديدا حول ما دونه بشأن علاقة خاصة كونها مع أميرة مملوكية تدعى زليمه، كانت محظية أحد البكوات المماليك الذين لاقوا مصرعهم أمام الفرنسيين في معركة إمبابة (الأهرام) التي على أثرها يدخل بونابرت بجيشه مدينة القاهرة. 


تطرح هذه الدراسة مقاربة لوضعية المجتمع تحت الاستعمار الفرنسي، وذلك عبر جعل الاستعمار نفسه بمثابة “ظرفية تاريخية” تسمح بالكشف عن أرضية يلتقي عندها المحتل بضحايا الاحتلال في سياق تفاعلي، وذلك بحسب مقتضيات الواقع ومواقف الناس المختلفة أمام هذه القوة المفرطة، التي اجتاحت حدودهم وفرضت نفسها على واقعهم المعاش. ومن شأن هذه المقاربة أن تدفع بالعدسة إلى تركيز الضوء على ما وراء ميدان القتال وساحة المقاومة من حياة قائمة ومستمرة بصورة أو بأخرى، تلك الحياة التي لا يُشكل الاستعمار وأشكال المقاومة سوى جزءا من مكونات المشهد الواقعي وتحديداً في حياة الناس اليومية. وفي هذا السياق المنهجي تبتعد الورقة عن قراءة دلالات الفعل الكولونيالي ودغماتية خطابه الأيديولوجي (التبريري) ؛ لإفساح مساحة ممكنة لمتابعة ورؤية دلالات الفعل الإنساني خارج الزمنية المشحونة بشدة الكراهية للاحتلال التي لطالما غطت على تطورات مهمة لم نلتفت إليها، وظلت مهملة وقابعة في زوايا النسيان. 

بيد أن ذلك لا يُعني، بأي حال، أننا نفصل الظرف السياسي كلية، وإنما نستدعيه هنا في سياق المعالجة كإطار وأرضية يتحرك عليها الفاعلون الاجتماعيون. إن هذه المنهجية معنية بالدرجة الأولى بالحفر في المسارات الفردية المهملة أو المنسية، وتحليل شواغلها وكثير من أفكارها وكشف دلالاتها مقاربة بغيرها، ومن شأن ذلك أن يُعيد قدراً من التوازن في رؤية المشهد التاريخي لهذا الحدث الذي مثل نقطة تحول في علاقة الشرق بالغرب في العصر الحديث.

رهانات الطرح الإشكالي   

تقوم هذه الدراسة كما ذكرنا على تقديم قراءة تحليلية ليوميات الضابط الفرنسي جوزيف ماري مواريه، حول علاقته الخاصة مع زليمه، التي كانت كما ذكرنا محظية أحد البكوات المماليك الذين لاقوا مصرعهم أمام الفرنسيين في معركة إمبابة، وعلى أثر هذه التطورات السريعة تهرب زليمة إلى دمياط، وهناك سوف يلتقي بها مواريه، وتنشأ بينهما قصة حب. وعبر توخي تحليل الظروف النفسية والاجتماعية التي دفعت بهما إلى تكوين هذه العلاقة الخاصة، في سياق لحظة مفعمة بالتوتر والكراهية الشديدة للاحتلال، وما يتعلق بصعوبة خلق مثل هذه العلاقة بسهولة في ظل التحرز الشديد من الاقتراب من بيوت الحريم التي لها “حرمات مقدسة” في المجتمع الشرقي كما هو معروف، والتي جعلت كبار قادة جنرالات الجيش الفرنسي يُشددون التنبيه ، بين حين وآخر، على ضرورة حرص الضباط والجنود على مراعاة هذه المسألة وإلا كان الموت مصيرهم، فإن من شأن ذلك أن يتيح لنا فرصة بالغة الأهمية في تركيز عدسة التاريخ المجهرية على أحداث فردية دقيقة اختلجت بدفقات شعورية يمكن رصدها وتحليلها ووضعها في سياق تاريخي.

ويتجه رهان الدراسة إلى اختبار مدى إمكانية تناول “الحب” كظاهرة إنسانية في سياق تاريخي: فكيف يمكن أن يكون “الحب” إشكالاً تاريخياً يمكننا من مدخل منهجي مختلف في قراءة حدث تحولي كبير مثل الحملة الفرنسية (1798 – 1801): فلطالما دُرِست هذه الحملة من منظور ينحاز لما هو سياسي عسكري، متجاوزين حقيقة ما يقع وراء ” فوهة المدفع ” من علاقات إنسانية واجتماعية جرت وقائعها بالتوازي مع التطورات السياسية البارزة. ومن ثم فالقصدية وراء طرح هذه المقاربة هو تقديم صورة جديدة للتأريخ للحملة من منظور إنساني، من ” فوهة الحب ” لا من ” فوهة المدفع”، والاقتراب من مفهوم الفاعلين في زمنها لقيمة ما يمثله هذا الحدث التاريخي من أهمية، ومدى تأثيره على حياة الفرد العادي. ولعل أحد الأهداف الأساسية أن نقدم فهماً واقعياً لتاريخ الحملة بصورة مباشرة ودقيقة من منظور أفراد انحسرت عنهم الأضواء، ولم يشكلوا أهمية كبيرة على مسرح الأحداث، وبالتالي نحاول دمج التفاصيل الصغيرة والمتناثرة المتعلقة بهؤلاء الأفراد، الواقعين في الهامش، والدفع بهم إلى متن السياق التاريخي العام.

وإذاً تسعى هذه الدراسة إلى تقديم مونوغرافية تاريخية حول تاريخ الحب في زمن الاستعمار، وأن تكثف الضوء على رصد تاريخ بعض التطورات التي لا يراها الناس، وكشف المفاهيم التي جالت بذهنية هؤلاء الفاعلين المهملين من ذاكرتنا التاريخية: مفهومهم للحياة، موقفهم من الموت والحب والخوف وغموض المستقبل وقيمة ما يمثله الدين في مدار حياتهم. وعلى مستوى المقاربة تزداد أهمية هذا الطرح الإشكالي كونه يمس حياة امرأة جارية مجهولة، لها موقف خاص من كل ما كان يدور حولها داخل الحرملك (المجتمع المغلق)، فتستهدف الدراسة فهم أبعاد الثورة النفسية عند هذه الجارية، ومظاهر رفضها لهويتها كجسد داخل الحرملك، وتطلعها إلى تغيير وضعيتها عبر ما يمكن تسميته بـ “مغامرة تحرر”؛ استهدفت الإفلات من قبضة نظام ارتأت هي أنه سلبها حريتها واحساسها بذاتيتها…إلخ.

تنوعت خلال هذه الفترة الاستعمارية القصيرة (1798 – 1801)، مستويات العلاقة في أبعادها الإنسانية المتباينة بين الجيش الفرنسي والمجتمع المصري بجميع طوائفه، وهو ما سنتناوله في الحلقات القادمة من هذه الدراسة.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s