المماليك يتحدثون العربية ويفقدون لغاتهم الأصلية بنهاية القرن ١٧

المماليك يتحدثون العربية ويفقدون لغاتهم الأصلية بنهاية القرن ١٧

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: القاهرة للفنان الأسكتلندي دافيد روبرتس (القرن التاسع عشر)

تتناول هذه المقالات دراسة مصدر جديد لتاريخ المماليك في مصر، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من «جوابات المماليك»، تعود إلى عام 1800 / 1801؛ أي أنها تغطى جزءاً أساسياً من فترة الحملة الفرنسية وتكشف علاقة الفرنسيين بالمماليك والمجتمع في تلك الفترة.

وتركز الدراسة علـى «جوابات مراد بك» لقادة الحملة الفرنسية، بصفتها مصدر أدبي يمكن أن يمدنا بمعطى جديد حول فكرة المملوك، يساعدنا في كشف أبعاد الهوية المملوكية وما اكتنفها من غموض، وتفسر في الآن نفسه ظاهرة الاحتواء أو الاستيعاب الثقافي للمملوك في المجتمع المصري بوصفه مجتمعاً حاضناً لهم.  

توقفنا في المقال السابق عند العوامل التي أدت إلى الاحتواء الثقافي للماليك في المجتمع المحلي، ونتوقف في هذا المقال عند أفول اللغات القوقازية أمام العربية التي أصبحت لغة المماليك قراءة وكتابة.


إن ظاهرة تحول المماليك وانفتاحهم على الثقافة المحلية في مصر استغرقت أكثر من قرن، وتعود فى الحقيقة إلى الربع الأخير من القرن السابع عشر؛ وكان أول من رصد مرحلتها الأولى وتحدث عنها كظاهرة هو أوليا جلبي ، (خلال زيارته الطويلة نسبياً بين عامى 1672 -1682 ، والتى أكسبته بعداً تأمليا خلال احتكاكاته الواسعة والمكثفة بالطبقة المملوكية) : فقد لاحظ حدوث تحول فى اللغة التى كان يتحدث بها المماليك ، وأنهم لم يعودوا طبقة مغلقة على نفسها ، وأنهم عجزوا عن أن يحافظوا على لغتهم الأم وموروثهم الثقافي ، ولنقرأ معه ما كتبه فى هذا الصدد :” لقد اقتضت الإرادة الإلهية الأزلية أن يفد هؤلاء المماليك إلى مصر ، فيباعوا بيع الرقيق .. فتربوا فى كنفها، وتدرجوا فى مضمار المعارف والفنون والآداب والكمال ، حتى صاروا ذوى مكانة واعتبار، وقد بلغ بهم السن إلى الشيخوخة واكتمال العمر، بيد أن مصر من البلاد العربية، فكان على هؤلاء المماليك أن يدعوا لهجاتهم الخاصة الثلاث (الجورجية والأباظية والشركسية) وأن يقبلوا على التكلم باللغة العربية “، ومن ثم صارت تعبر عن هويتهم الجديدة. 

بيد أن أوليا جلبي بيّنَ أن هذا اﻹندماج فى الثقافة المصرية كان تدريجيًا، وأن تخلى المماليك والعثمانيين عن لغاتهم اﻷم لم يكن كاملا “فقد اخترعوا ﻷنفسهم لهجة خاصة ذات عبارت تتألف من كلمات عربية وتركية خليطة يقال لها (ملمع). وقد  أفرد أوليا جلبي لها عدة صفحات يرصد الكلمات الدخيلة وما يقابلها فى اللغة العربية ، وأي نظرة على تلك الكلمات ومعانيها سيتبين إلى أي حد بدأت كلمات عديدة تتسلل إلى قاموس اللغة الهجينة المستخدمة عند المماليك ، وكذا مدى تأثر اللغة العامية المصرية ببعض تلك المفردات الشائعة الاستخدام في اللغات القوقازية. وبعد أوليا جلبي بنحو القرن ، سوف نجد جوابات مراد بك  تظهر تمكن المماليك من التحدث بلغة العوام التي تتقارب من حيث الشكل وعلى مستوى بنية المفردات والتراكيب الأسلوبية من جوابات الأهالي المصريين، الأمر الذي يبين أن “لغة ملمع” ، التي تحدث عنها أوليا جلبي في القرن السابع عشر، لم تشكل سوى مرحلة وسطى بين تمسكهم بلغتهم الأم واللغة التركية وبين انغماسهم في مضمار ثقافة المجتمع الحاضن والتحدث بلغته العربية وتمثل قيمه وآدابه التي حدثت على نطاق واسع طيلة القرن الثامن عشر(١). 

تراجع اللغات القوقازية 

وبوسعنا التأكيد على أن اللغات القوقازية ، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، تراجعت في صالح غلبة اللغة العربية والثقافة المحلية ، وتحولت في أحسن أحوالها إلى ” لغة ذاكرة ” ، كانت تفقد بمرور الوقت أهميتها في الاستعمال اليومي ، وبشكل يمكن معه أن نفترض اقتصارها على ممارسة محدودة لا تتجاوز الوسط الجورجي داخل البيوت والقصور. ما أدى إلى فقدان الاهتمام بها وغلبة التحدث بالعربية الدارجة  التي اكتسبت أهمية كبيرة كلغة للحديث وللكتابة ولكل المعاملات بما في ذلك صياغة الوثائق الهامة في المحاكم الشرعية. ومن هنا لا يدهشنا كثيراً حجم الصعوبة التي واجهت المملوك حين اضطر إلى الكتابة لأهله في جورجيا ؛ حيث انقطع عن الممارسة الكتابية بها لسنوات أو عقود طويلة. وفى أحد الجوابات الأربعة المكتوبة باللغة الجورجية التي درسها كل من جوتشيا ودانيال كريسليوس، والتي تعود أيضاً إلى أواخر القرن الثامن عشر ، أبدى الأمير مراد أغا أسفه واعتذاره لسيده في جورجيا بقوله :  “إذا كان جوابي هذا قد اشتمل على أخطاء ، فذلك بسبب عدم وجود كاتب يجيد الكتابة باللغة الجورجية في مصر!”

إن هذا ليظل شاهداً على ضعف مقدرة البكوات بمرور الوقت على ممارسة الكتابة باللغة الأم (الجورجية) ، وهو أمر يسهل تفسيره ؛ فقد تعرضوا للخطف بالقوة وهم بعد أطفال في سن مبكرة (بين 12 إلى 14 سنة) ، وبعضهم لم يكن قد نال حظاً من التعليم ، وبعضهم الآخر لم يتلقن سوى مبادئ بسيطة من القراءة والكتابة ؛ وهو أمر يجعلنا نفترض بأن مرحلة إعادة تلقين أو تعليم المملوك القراءة والكتابة بعد انتقاله إلى مصر، قد حولت لغة المجتمع الحاضن وثقافته إلى جزء أساسي من مكونات هويته الجديدة التي تطبعت بالطابع المحلي المكثف في القرن الـ 18م على وجه الخصوص. وأحدى الشهادات المهمة هي لجارية تدعى زليمة (جورجية الأصل) ، كانت زوجة أمير مملوكي لقي حتفه بمعركة الأهرام (امبابه) عام 1798 ، والتي سجل شهادتها الضابط الفرنسي جوزيف مواريه ، بينت اعتمادها الأساسي على اللغة العربية ، في حواراتها وكتابة الجوابات المتبادلة معه (حيث جمعتهما قصة حب خاصة). 

مراد بك لا يعرف الكتابة إلا بالعربية

وهنا تتجلى أهمية جوابات مراد بك ؛ إذ تؤكد هذه النتيجة بصورة قاطعة، : فالرجل لم يعرف سوى اللغة العربية في الكتابة ، والجبرتي نفسه يؤكد بأنه كان يتدرب على تجويد الكتابة بالخط العربي الذى تعلمه على يد خليل أفندي البغدادي ، الذى صار أحد ندماء الأمير مراد بك ، ومن المترددين الدائمين في صالونه الثقافي الذى كان يحضره شيوخ وعلماء من الجامع الأزهر وكبار الشعراء. وفى جوابات مراد بك نجده يتبادل الرسائل مع نظرائه البكوات المماليك (حسن بك الجداوي وابراهيم بك) باللغة العربية لا بالجورجية أو التركية أو بغيرهما من اللغات القوقازية الآسيوية الأخرى، بالرغم من أن ثلاثتهم كانوا من جورجيا!. وهو من دون شك قرينة مهمة على بلوغ ظاهرة التحول اللغوي الجماعي عند المماليك لذروة نضجها في أواخر القرن الثامن عشر وقبل مجيء الحملة الفرنسية.

وعلى ذلك فإن كتابة جوابات البكوات المماليك باللغة العربية شبه العامية ، كان نتيجة متوقعة لسياق تطور ثقافي بالدرجة الأولى ، استغرق معظم القرنين السابع عشر والثامن عشر. وأنه يصح أن نعتبر الجوابات مصدراً أدبياً جسد بوضوح حقيقة التغير الذي أصاب بدرجة عميقة مكون الهوية الثقافية للطبقة المملوكية التي باتت أكثر انفتاحاً من ذي قبل على الثقافة المحلية. إن الدلالة ذات المغزى هنا أن امتياز الإغلاق الطبقي تفسخ، وباتت الملامح الثقافية للمجتمع المصري الحاضن واضحة الأثر في تكوين المملوك وتنشئته الثقافية. وفى هذا السياق يمكن أن نفهم مغزى اصطلاح أطلقه الأهالي وسجلته المصادر المعاصرة وهو ” المصرلية ” المعني به الأمراء المماليك؛ تمييزا لهم عن “عسكر الرومية أو الرومللي” العثمانيين؛ إن القيمة الرمزية أكبر بكثير مما يعنيه اصطلاح يُمايز بين نوعين من العسكر ، ففي مطلع العصر العثماني (ق 16م) كان الأهالي يوسمون الجميع مماليك وعثمانلية بـ “الترك” ، في حين جسد اصطلاح “الأمراء المصرية ” أو ” المصرلية ” واقع الاندماج الثقافي الذى تحقق والذي أدى إلى تماهي السلطة في ثقافة المجتمع ، لتستوعبهم داخل محيطها الثقافي ، واصفة أياهم باصطلاح لا يخلو من مغزى ” أهل البلاد ” ، في حين قصرت اصطلاح ” الأغراب ” على العساكر الرومية دون غيرهم. 


(١) إن الإدانة الأدبية والتي تقرب من الاحتجاج في لغة الجبرتي وهو يبدي أسفه على استيراد البكوات للسراجين (المماليك  كبار السن) الذى يصفهم بـ “المشنبون” تأتى من أن هؤلاء لم يمروا بمرحلة الاحتضان المعتادة وإعادة تأهيلهم ثقافيا وأدبياً: وهذا الموقف من مراقب مخضرم مثل الجبرتي يبين إلى أي حد كانت مسألة تهذيب المملوك بالغة الأهمية في الحفاظ على المجتمع وعلى البيت المملوكي نفسه.


المقالات السابقة


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s