فنجان القهوة يرسم حدودا فاصلة بين الطبقات في القاهرة العثمانية

فنجان القهوة يرسم حدودا فاصلة بين الطبقات في القاهرة العثمانية

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: الفنان الإنجليزي جون فردريك لويس

تحيلنا دراسة آداب وطقوس شرب القهوة إلى مجموعة من الأدوات أو العناصر المادية التى تشكل فى حد ذاتها مؤشراً على «أهل الاعتبار والحظوة» الذين أولِعوا بأن يُضفوا على سلوكياتهم اليومية والقيم التى كانوا يؤمنون بها طابعاً تمييزياً خاصاً، كان من بين ذلك ما نسجته من طقوس حول احتسائها لفنجان من القهوة، مقارنة بحال الطبقات الأخرى التى لم تتوافر لها الإمكانات ذاتها، والتى اتسمت ممارساتها فى كل الأحوال بالطابع العملى غير المتكلف. ومن المؤكد أن الوعى الطبقى للنخبة بموقعها على رأس الهرم الاجتماعى، وحساسيتها المؤثرة والمفرطة فى كثير من الأحيان إزاء تمسكها بالتمييز سلوكاً وقيماً، كان قد جعلها تبالغ فى الوسائل المادية الملموسة التى تعمل على تجسيد التفاوت الطبقى بصورة مرئية وملحوظة. فى هذا الإطار لم يعبر فنجان القهوة عن حاجة مادية مباشرة، وإنما عبَّر عن حاجة طبقة إلى خلق تقاليد خاصة، تجسد هويتها وشخصيتها ومكانتها فى المجتمع. وهذا ما نريد التوقف عند دلالاته فى ضوء ما توافر لنا من معلومات رصدتها عيون المراقبين المعاصرين.

قاعات الاستقبال تحدد علو المكانة الاجتماعية

تمثلت أولى تلك الوسائل المادية فى مدى توافر القدرة المادية على الاستقبال لأعداد كبيرة داخل البيت، وتصميم قاعات متعددة خاصة للاستقبال وإعدادها؛ بحيث يمكن معها الجزم بأن توافر أو عدم توافر هذا الشرط المادى يصبح مؤشراً دلالياً على وضعية الفرد/ الجماعة فى المجتمع؛ والمصادر تؤكد ذلك بوضوح: فالمصرى من الطبقة الدنيا، الذى لا تسعفه ظروفه المادية لاستقبال ضيوفه داخل منزله، كان يستقبل أصدقاءه ويحتسى معهم القهوة، متبادلاً أطراف الحديث بكل بساطة أمام منزله أو على مصطبة دكانه ويعطى الطبيب بيرتون نموذجًا لشيخ فقيه زمن محمد على باشا، كان يتكسب قوت يومه من عمله بالعطارة. وكان بيرتون يتردد فى المساء على حانوته، فى صحبة صديق له، فيشير إلى أنه كان يقوم بنفسه بإعداد القهوة لهما وتحليتها من أقماع السكر فى دكانه الصغير، كما قام بإعداد الغليون الذى أحضراه معهما إليه، وجلسوا جميعًا على مصطبة الدكان يرتشفون القهوة مع الغليون. 

هذه الصورة البسيطة للاستقبال لدى الشرائح المختلفة من أبناء الطبقة الدنيا والمتوسطة وحتى من اسماهم الجبرتى بـ «مساتير الناس»، يقابلها صورة مغايرة تمامًا لدى «أهل اليسار المعتبرين»، لاسيما جماعة النخبة العسكرية منهم، الذين كانوا يحرصون على تشييد القصور الفارهة؛ انطلاقاً من فرضية أساسية بأن البيت فى النهاية كان تعبيراً عن مركز القوة والهيبة. إذ إن كثرة المماليك الاتباع والخدم والجوارى والخيول تطلبت بالأساس ضرورة الحرص على كبر مساحة البيت وتوفير عدد كبير من غرف الاستقبال مع تزويدها بكل وسائل الراحة والرفاهية. وتبين المصادر التاريخية فى مناسبات مختلفة، كيف أن أعداد المماليك لدى أبرز القادة البكوات وكبار عسكر الأوجاقات العثمانية كانت من الكثرة، ومع ذلك كانت غرف الاستقبال الكبيرة والمتعددة تستوعبهم بصورة معتادة: فعلى سبيل المثال أشار أوليا جلبى إلى أن قصر ذى الفقار بك أمير الحج، وهو أحد أهم بكوات المماليك فى القرن السابع عشر، كان بالغ الضخامة والاتساع، وكان ديوان الاستقبال بقصره مبنيًا على ستة وأربعين عموداً، يسع لألفى رجل من اتباعه، يتناولون على مساطبه الطعام وشراب القهوة فى كل يوم. وذكر الجبرتى أن محمد بك الألفى (المتوفى فى 1807م) كان يجتمع عنده من مماليكه وجواريه نحو الألف مملوك خلاف الذى عند كشافه، وهم نحو الأربعين كاشفاً، الواحد منهم دائرته قدر دائرة صنجق من الأمراء السابقين. وفى أحد التقارير التى تعود إلى سبتمبر 1800 (أي خلال احتلال الفرنسيين لمصر) كتب الجنرال مينو إلى وزير الخارجية الفرنسية بأن عدد مماليك إبراهيم بك وحده يصل إلى نحو 1500 مملوك. وإذا ما افترضنا الصحة النسبية لمثل هذه الأرقام، فإنه يتعين علينا أن نتصور ان عملية الاستيعاب كانت ضرورية، وكانت بالقدر نفسه واحدة من الشواغل الأساسية التى اضطرت البكوات الكبار إلى توسعة قصورهم وامتلاك عدد من البيوت الكبيرة لخدمة هذا الغرض. 

ومما زاد من أهمية هذا الأمر حدوث تحول طرأ فى القرن الثامن عشر على بنية السلطة نفسها، وتسبب فى تغير وظيفة القصور المملوكية، على نحو ما لاحظته نللي حنا فى دراستها لهذه الظاهرة: فلم تعد جلسات الديوان فى ذلك القرن تعقد بالقلعة، ولكنها باتت تعقد فى بيوت كبار البكوات المماليك، تحت مسمى اصطلاحى عُرِفَ «بالجمعية» التى كانت بمثابة مجالس سياسية، يصدر عنها أهم القرارات السياسية. واقتضى هذا بالضرورة اتساع المكان وتوفر كل الإمكانات المتاحة لاستقبال الأعداد الكبيرة، وذلك على الأقل فى بيوت أبرز القادة البكوات. والمعروف أن اجتماعات هؤلاء البكوات كانت تطول النهار بأكمله، ويستضيف خلالها الأمير المملوكى الكبير كل من حضر الاجتماع، مقدماً لهم كل الاحتياجات المادية من طعام وشراب، بل قد يحدث فى ظروف معينة أن يناموا عنده! 

وتشير نللى حنا فى دراستها لبيوت القاهرة فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى أنه من بين 602 غرفة في 62 قصرا وبيتا كبيرا، كان 111 غرفة منها مخصصة للاستقبال، وكان يوجد بغرف الاستقبال داخل بيوت وقصور المماليك أماكن ثابتة للمشروبات: ففى حوش القصر كان يوجد «مدق بن»، وفى الطابق الأول كان يوجد مكان صغير لإعداد القهوة يسمى «بيت قهوة» كان يقع بالقرب من غرفة الاستقبال المعروفة «بالمقعد» أو «القاعة»، على حين كانت البيوت المتواضعة لا تتضمن إلا القليل من غرف الخدمة، ولا توجد بها غرف للاستقبال. 

المقاهي المتواضعة متنفس الفقراء

ومن هنا كان اعتماد أصحاب البيوت المتواضعة والمتوسطة على المقاهي، الموزعة على الأحياء الرئيسة بالمدينة، اعتماداً أساسياً؛ وذلك بوصفها متنفسًا اجتماعيًا ومكانًا بديلاً وممكنًا للتلاقى والاجتماعات. والدلالة الأساسية هنا أن الطريقة الخاصة فى الاستقبال ومراعاة طقوس وآداب تقديم القهوة ظلت قريناً بالبيوت الكبيرة؛ وذلك بالنظر إلى ارتفاع كلفة إعداد المكان وتوفير الخدم والأدوات اللازمة للاستعراض الرمزى. وكلما زاد الإنفاق (الشرفي) على مثل هذه الوسائل المادية، كان ذلك دلالة ملموسة لعلو الرتبة والمكانة، على حين اتسم تقديم القهوة على مصاطب المنازل المتواضعة أو فى المقاهى العامة بالطابع العملى البسيط. وقد استوقف المراقب الفرنسى «دى شابرول» بساطة طريقة تقديم القهوة فى المقاهى التى غاب عنها المشهد الرمزى للطقوس المعتاد ملاحظتها فى قصور الأثرياء؛ «فالمقاهى ليس بها أثاثات على الإطلاق وليس ثمة مرايا أو ديكورات داخلية أو خارجية، فقط ثمة منصات (دكة) خشبية تشكل نوعًا من المقاعد الدائرية بطول جدران المبنى، وكذلك بعض الحصر من سعف النخيل، أو أبسطة خشنة الذوق فى المقاهى الأكثر فخامة، بالإضافة إلى بنك خشبى عادى بالغ البساطة، وهناك يضطجع المترددون على الحصر التى تغطى تلك المنصات الخشبية..».


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s